الملك الذي كان يخشاه المغاربة

espace réservé aux écrits concernant le ROI HASSAN II

السبت، 26 يناير، 2013


(مؤامرة 16 يوليوز 1963) مؤامرة من؟ ضدّ من؟



 النُّذُر الأولى للتآمر، والتآمر المضاد

في مستهل نص الحكم الصادر عن المحكمة الإقليمية بالرباط في شأن هذه القضية(أي القضية الجنائية عدد 502/63) بتاريخ 14 مارس 1964، ورد ما يلي :
(.. وحيث أن الأفعال والأعمال المنسوبة إلى المتهمين أُرتكبت خلال السنوات الثلاثة الماضية... وحيث أن هذه الأفعال وهذه الأعمال استمرت إلى أن أُلقي القبض عليهم .. الخ.. الخ).
في مستهل نص هذا الحكم، نستنتج بأن وقائع التآمر لاغتيال الملك الحسن الثاني وقلب نظام الحكم بالقوة المسلحة لإبداله بنظام جمهوري – المنسوبة للمتهمين كما جاءت في صك الإتهام ونص الحكم – تعود إلى مطلع شهر مارس 1961!!؟- هذا التاريخ الذي يوافق – كما هو معلوم- واقعة تنصيب الملك الحسن الثاني على عرش البلاد بعد الوفاة المفاجئة لوالده إثر عملية جراحية بسيطة كانت تفتقد طابع الاستعجال.
فهل الأمر هنا كان مجرّد مصادفة عابرة؟ أم أن المسألة كانت لها جذور قوية من العداء المستحكم بين ولي العهد وبين مجموع فصائل حركة المعارضة منذ فجر الاستقلال ..حتى إذا تم تنصيبه ملكا، بعد وفاة والده الذي كانت له مكانة خاصة في قلوب الجميع.. انفجرت فجأة هذه الأحقاد بكل هذه القوة والشراسة؟؟.
إن ما يجعلنا نطرح هذا التساؤل.. هو أن مدير ديوان ولي العهد آنذاك، وصديقه الحميم، أحمد رضا كديرة، سبق له أن نشر في جريدته (المناورات) في منتصف فبراير 1960، خبرا مفاده أن أحد أعضاء منظمات المقاومة السابقة ضد الاحتلال تقدم لمصالح الدرك الملكي مبلّغا عن مؤامرة جرى تدبيرها لاغتيال ولي العهد!! وزادت الجريدة تقول بأن التحقيقات في شأن هذه المؤامرة يجب أن تنطلق فورا.. وفي اتجاه الأفاعي التي دبّرتها!!.
وفور نشر هذا الخبر، انطلقت حملة بوليسية- اعتبارا من يوم 14 فبراير 14 فبراير 1960 – أدت إلى إلقاء القبض على أكثر من ستين من قيادات منظمات المقاومة وجيش التحرير، كان منم أبرزهم بـ سعيد بونعيلات- عبد الرحمان اليوسفي – بنسعيد آيت إيدر – محمد منصور – بوشعيب الدكالي – محمد الذهبي – حسن الأعرج ... وغيرهم.. إضافة للفقيه البصري الذي كان لا يزال معتقلا على ذمة التحقيق في قضية أخرى تهم القذف من خلال جريدة (التحرير).
وعلى الرغم من التعذيب الشديد الذي تعرض له هؤلاء على أيدي مستنطقي الدائرة السابعة للأمن الوطني بدرب البلدية بالدار البيضاء- هذه الدائرة التي أحدثها خصيصا نظام المخزن وأطّرها بقدامى المقاومين للإستعانة بهم في تصفية رفاق الأمس القريب.. رغم ذلك.. ورغم الإحتفاظ بالمعتقلين لحوالي خمسة أشهر في ظروف قاسية.. فقد اضطر الملك محمد الخامس إلى إطلاق سراحهم، بمناسبة عيد الأضحى الموافق ليوم 3 يونيو 1960.. بعد أن تأكد من فراغ الملف الذي أُريد توريطهم فيه.. ولاسيما بعد حصول تداعيات خطيرة.. تنذر بما هو أخطر لو بقوا في الإعتقال.
ويتمثل أول هذه التداعيات في قيام شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي عضو مجلس التاج بتقديم استقالته من منصبه الرسميي بتاريخ 29 فبراير 1960، ليغادر السكن الوظيفي على عجل متوجها لمنزله في فاس، حيث رفض لاحقا التوصل براتبه الشهري – والذي كان المخزن يبعثه له بانتظام رغم استقالته – مكتفيا بمدخول بيع مادة الحليب المستخلص من بضع بقرات اشتراها ليستعين به على مواجهة تكاليف العيش دون الحاجة لأحد!!؟.
لقد صُدم الرجل، وقال لمحمد الخامس- وفق ذكره لي تلميذه الأستاذ عبد الكريم الفيلالي! (واحشو ما عليك آسيدي تعتقل هادوك الناس اللي جابوك من المنفى.. ورجعوك لعرشك.. فما جزاء الإحسان إلا الإحسان).
تجدر الإشارة إلى أن بلعربي العلوي هو الذي نصّب الأمير مولاي الحسن وليا للعهد بتاريخ 9 يوليوز 1957 أمام والده.. كما سينصبه ملكا بعد وفاة محمد الخامس... وبهذا الموقف الصارم من سماحته والذي أعنه عبر الصحافة، دعا كذلك إلى تصفية مصالح الإستعمار !! إدراكا منه بأن هذه الحملة الظالمة إنما كانت تستهدف حلّ وتفكيك جيش التحرير في الجنوب والشرق، والذي أصبحت نشاطاته تؤرق الفرنسيين والإسبان وأعوانهم في الداخل. لا سيما عندما وصلت طلائعه إلى شمال موريطانيا، وحررتا معظم مناطق الجنوب.. وذلك في تناغم كامل مع قوات جبهة التحرير الوطني الجزائرية.
نشرت جريدة (ليبراسيون الفرنسية) مقالا مطولا ورد فيه : إن قضية المؤامرة على حياة ولي العهد هي قضية سياسة مختلفة حيكت للمقاومين للنيل من حكومة عبد الله إبراهيم والقوات التقدمية بالمغرب.
- أنظر جريدة الرأي العام – العدد 840، بتاريخ 21 مارس 1960.
(... إن القضاء على الاتحاد المغربي للشغل، والقضاء على رجال المقاومة وجيش التحرير.. هما الواجهتان الرئيسيتان اللتان فتحهما الاستعمار وسماسرته بالتواطؤ مع فلول الرجعية، للقضاء على القوات الحية في البلاد).
- أنظر جريدة الرأي العام – العدد 845، بتاريخ 27 مارس 1960.
والأمر الذي كان يلقي بظلال من الشك والإرتياب حول هذه الإعتقالات هو كون الذين أمروا بها ونفذوها استغلوا غياب الملك محمد الخامس ورئيس الحكومة.. وعدد من كبار المسؤولين.. في زيارة رسمية لعدة أسابيع لبلدان المشرق العربي.. للقيام بما قاموا به.. متوخين أن يتمكنوا من خلال التعذيب الشديد لهؤلاء المناضلين من انتزاع اعترافات سريعة تساعد على وضع محاضر كافية (للتعريف الجماعي).. حتى إذا عاد الملك ورئيس حكومته من السفر، وجدا أمرا واقعا لا يستطيعان معه وقف التدابير القضائية التي يتطلبها الموقف... وهو المدخل الذي يرومه المخططون لإسقاط حكومة عبد الله إبراهيم بالضربة القاضية!!. وثم حل وحدات جيش التحرير قبل الإحجاز على كل المكاسب التقدمية التي حققتها الحكومة.
ومن أجل ضمان تحقيق الهدف الثاني من هذه الإعتقالات، فقد قرر مخططوها ومنفذوها استغلال فرصة- تغييب هؤلاء القادة المقاومين خلف القضبان لفترة زمنية ولو لعدة أشهر- للتمكن من حل وحدات جيش التحرير المتواجدة في مناطق الجنوب والشرق؛ أي إنجاز المهمة الأكثر استعجالا في جدول أعمال هؤلاء المخططين.. قبل توجيه الضربة القاضية لحكومة عبد الله إبراهيم، فرغم ضربات (إكوافيون) في بداية 1958 (.. لقد خافت فرنسا على مصالحها الإستعمارية في افريقيا السوداء وموريطانيا والجزائر فتحالفت مع اسبانيا للقضاء على جيش التحرير، فانطلقت عمليتها الأولى الممتدة من 10 إلى 19 فبراير 1958 من نواحي السمارة، والثانية من 20 إلى 24 فبراير من مناطق بير إنزاران وأوسرد وأطلق على هذه العمليات اسم (إكوافيون) وقد شاركت أكثر من 130 طائرة حربية في هذه العملية منطلقة من القاعدة الجوية البحرية (ببنسركاو) وغيرها من القواعد الجوية في موريطانيا والجزائر وجزر الكناري، وألحقت الهزيمة بجيش التحرير الذي تراجع مكرها نحو المناطق المغربية المحررة).
- محمد المعزوي- مذكرات عامل إقليم – ص 58.

قادة جيش التحرير
 أبلغ القائد الممتاز البشير لحمر بأن تعليمات عليا قد صدرت للعميد الإقليمي للأمن الوطني في ابني ملال (محمد أقبلي) بمباشرة الاعتقالات في صفوف خمسة وعشرين من قادة المقاومة وجيش التحرير في الإقليم، وعلى رأسهم القائد البشير نفسه وقواد إدريس آخرين... وأمره بسرعة التصرف.. وذلك في نفس يوم عودة الكوميسير أقبلي من ا لرباط إلى ابني ملال نشرت جريدة (le Petit Marocain) بتاريخ 23 مارس 1960: حضر العميد أقبلي للرباط يوم الأربعاء وعاد إلى بني ملال مساء الخميس.. وفي جيبه لائحة من 25 شخصا مطلوبين للاعتقال في نفس الليلة منهم القائد الممتاز البشير... وقد علم بذلك البشير فبادر إلى الهجوم.... كما صدرت تعليمات مماثلة من قيادة جيش التحرير للقائد الإداري لأحواز الرباط محمد بنحمو الكاملي (والذي أفشل عملية اعتقاله في مقر عمالة الرباط من خلال التهديد باستخدام مسدسه الشخصي)... وذلك لكي يلتحق على جناح السرعة بالبشير بن التهامي في ابني ملال قبل الصعود للجبال.. في انتظار وصول نجدات من جيش التحرير بالجنوب والشرق.
وهكذا استطاعت المجموعة أن تجمع الأسلحة من المراكز الإدارية التابعة لدائرة ابني ملال، وتقوم باغتيال العميد أقبلي قبل الإلتحاق بمرتفعات الإقليم مساء يوم 17 مارس 1960.
وفي موازاة هذا العصيان المسلح، قام في نفس التاريخ كل من القوات المساعدة في مراكش المقاوم المعروف مولاي الشافعلي السباعي رفقة القائد الإداري البشير المطاعي وبركاتو السباعي ولحسن الروداني والحسين نعمات وأعوانهم المسلحون بالصعود إلى جبال منطقة (أمزميز) تناولت جريدة العلم في عددها (4045) بتاريخ 23 مارس 1960 هذه الأحداث بأسلوبها الخاص، فكتبت بـ جاء من مراسلنا بمراكش أن البشير قائد أولاد مطاع، والحسين البزيوي قائد أمزميز أخليا مكتبهما منذ ليلة الأحد، واتجها نحو إيمي نتانوت، وقد ذهب معها عدة مخازنية وسيارات وجيب وأسلحة، ويخشى أن يتبعهما عدة قواد ممن هم على شاكلتهما، ذلك أنه يوجد بناحية مراكش كثير من القواد في مراكز حساسة من جبال الأطلس، وقد عينوا بالاتفاق مع حركة المقاومة، ولا يبعد أن يقوموا بما قام به (بشير) بني ملال، كما أخبرنا مراسلنا بأن رئيس الحرس البلدي بمراكش – الشافعي- قد فر معهما صحبة مساعده الروداني، عضو مكتب مقاومة البصري بمراكش، فبعد اجتماع عقد بمكتب مقاومة البصري من الساعة الثانية عشرة إلى الثالثة صباحا، توجه هؤلاء إلى الجبال، وكانت الشرطة تشك في أمر رئيس الحرس البلدي، حيث أنها منه مفاتيح مخازن الأسلحة قبل أربعة أيام من فراره.
كما نشرت جريدة العلم في عددها (4047) بتاريخ 25 مارس 1960:
الجيش يهاجم المتمردين في أمزميز والعزبان- قتل المطاعي والبزيوي والشافعي و 30 من الأعوان.
بتاحناوت في 24 أبريل 1959، بدليل أن الذين قتلوه – كما ذكرت الصحف إيّاها – كانوا يصرخون وقت تنفيذ جريمتهم!- (عاش الرئيس عبد الله ابراهيم.. عاش محمد الحبيب الغيغايي الفرقاني!!؟
كما كان من أبرز التداعيات الخطيرة لحملة الإعتقالات في صفوف المقاومين والتي امتدت من 14 إلى 26 فبراير 1960.. ما قام به المقاوم المعروف محمد بنحمو المدعو بـ (الفواضري) وأعضاء تنظيمه المسلح من عمليات انتقامية، باستعمال الرشاشات والمسدسات والقنابل اليدوية استهدف بعض المستنطقين المفترضين في الدائرة السابعة للأمن الوطني في الدار البيضاء حيث مورس على معتقلي قادة المقاومة أبشع أنواع التعذيب، فكان من جملة هذه العمليات مطبوع خاص بوزارة العدل، يتناول كافة العمليات المسلحة، والأحكام القضائية الصادرة في شأنها.
1 – اغتيال مفتش الشرطة محمد بدر بتاريخ 15 أبريل 1960، بينما كان خارجا من أحد مقاهي شارع ابراهيم الروداني بالدار البيضاء.
2 – اغتيال الحارس البلدي الحبيب البندقي، وجرح حارس آخر (سعيد شيرب) بحي لرميطاج بتاريخ 23 أبريل 1960.
3 – اغتيال القبطان محمد يثرب المدعو (بوبو الفكيكي) بباب منزله.. كما قتل معه الطيب فوكالة. وذلك بتاريخ 3 ماي 1960.
4 – محاولة اغتيال محمد الحلاق بحي درب غلف.
5 – إطلاق زخات من رصاص الرشاشات مع القذف بقنبلة يدوية على كل من مفتشي الشرطة محمد سفيرات وبوشعيب سفيرات وبوشعيب بوعنان مما أدى لجرح اثنين منهم.. ومصرع محمد بن علي البناء، وذلك بتاريخ 22 ماي 1960.
6 – محاولة اغتيال مفتشش الشرطة محمد بن ناعوم في حي درب غلف وذلك بتاريخ 1960.
ولم تتمكن مصالح الشرطة من إلقاء القبض على بعض المتهمين سوى في أواخر شهر أكتوبر 1960.
كما قام المقاوم السابق أحمد فوزي أكوليز المدعو(شيخ العرب) بسلسلة من العمليات المسلحة ضد عناصر الأمن، استهلها باغتيال كل من المخزني موحا الزموري الشيخ علي أو بلحس في خميس إيسا فن في 19 أبريل 1960.
ومن بين تداعيات قادة المقاومة وجيش التحرير، والتي جعلت محمد الخامس يُدعن أخيرا المطلب إطلاق سراحهم... تنظيم الإتحاد المغربي للشغل في 25 مارس 1960 لإضراب إنذاري عام في كافة القطاعات، استنكارا للوضعية العامة المتأزمة في البلاد.. واحتجاجا على ما يبديه خصوصا حكومة عبد الله ابراهيم التقدمية من عداء شرس؛ وفي طليعتهم أحزاب الإستقلال والحركة الشعبية والأحرار المستقلين والدستور الديمقراطي، وكذلك احتجاجا على الترخيص بإحداث نقابة الإتحاد العام للشغالين التابعة لحزب الاستقلال.
وقد كان من نتائج نجاح هذا الإضراب، لاسيما في مدينة الدار البيضاء، أن سارع (المخزن) إلى تعيين (الكوماندات محمد المدبوح) عاملا على هذه المدينة؛ قادما إليها من رئاسة الحرس الملكي. تجدر الإشارة إلى أن ولي العهد سبق له وأن ضغط عليه لتقديم استقالته من حكومة عبد الله ابراهيم كوزير للبريد (بعد أن فرضه أصلا في تركيبة الحكومة نظرا للطابع الأمني لأجهزة الإتصال السلكية واللاسلكية).. بهدف إسقاط مجموع الحكومة، ولكن محمد الخامس أبطل الخطة بالإكتفاء بقبول استقالة المدبوح بمفرده.. تلكم الإستقالة التي علّلها المدبوح على أنها احتجاج عن بيان مؤتمر الإتحاد الوطني لطلبة المغرب بأكادير حول (مؤسسة الجيش والذي تضمّن – بنظره- قذفا مشينا في حق هذه المؤسسة.
كما جرى تفسير حصول الإتحاد الوطني للقوات الشعبية على نسبة كبيرة من مقاعد الغرف التجارية والصناعية المنظمة بتاريخ 8 ماي 1960 وعلى مقاعد المجالس البلدية والقروية المنظمة بتاريخ 29 ماي 1960 كإحدى تداعيات اعتقال قيادة المقاومة وجيش التحرير... وقد اضطر جهاز (المخزن) لاحقا.. من باب الإلتفاف حول نتائج هذه الإنتخابات.. اضطر إلى إصدار ظهير اختصاصات المجالس البلدية والقروية بصيغة أفرغتها من أي اختصاصات مستقلة في التدبير المالي والإداري لممثليها... لتغدو مجرد أجهزة استشارية لرجال السلطة المحلية.. (ونعم الديمقراطية).. جرى تفسير كل هذه الإنتصارات على أنها من التداعيات الناجمة عن اعتقال المقاومين.
ثم جاء السجال عبر الصحافة حول وضع دستور للبلاد أكثر حدة وقوة.. وكان المجلس الوطني للإتحاد الوطني للقوات الشعبية المنعقدة في 3 أبريل 1960 قد طالبه بحزم بانتخاب مجلس تأسيسي منتخب لوضع دستور ديمقراطي يعتبر الشعب هو مصدر السلطات، ويضع حدا للتعفن والفساد، كما يضمن للجميع حرياتهم الأساسية دون اعتبار للفروق العقائدية والعنصرية.
جاء هذا الموقف لقطع الطريق على فريق (ولي العهد) الذي كان يروح بقوة (تمرير) مشروع دستور في (جنح الظلام) وبمساعدة أصدقائه من الخبراء الأجانب والمغاربة أمثال: موريس دوفيرجي ومجيد بنجلون وأحمد رضا كديرة وعبد الكريم الخطيب.. وغيرهم.
هذه التداعيات مجتمعة هي التي دفعت بالملك محمد الخامس إلى التعجيل بإطلاق سراح المقاومين وحفظ المتابعة في حقهم كما ذكرنا آنفا فكاكا من هذه الورطة التي وضعته فيها ولي عهده، إضافة للحملة الدولية التضامنية التي انطلقت في أكثر من دولة.. لاسيما تضامنا مع الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي باعتبار وضعيته الصحية ومكانته الصحفية والحقوقية والسياسية.
ولكن هذا الاعتقال المخزني والمدبر- بدليل فراغ ملفه من أية أدلة دامغة على الرغم أنه انتهى بإطلاق سراح المعتقلين إلا أنه لبالغ الأسف أسفر عن نتائج إيجابية لمصلحة فريق (ولي العهد).. كان في طليعتها!.
- تفكيك وحدات جيش التحرير في مناطق الجنوب والشرق بإدماج معظمها في الجيش الملكي والشروع في مطاردة فلولها الرافضة للإحتواء الرسمي من خلال أجهزة الأمن والمخابرات.
- إقالة حكومة عبد الله ابراهيم.
(.. ومن جهة أخرى اتصل بي بنعثمان حسينة من قدماء جيش التحرير (عين فيما بعد عمدا للشرطة ليخبرني بأنه مطالب للوساطة بين جيش التحرير والإسبانيين من أجل إطلاق سراح المعتقلين لدى جيش التحرير، أو على الأقل إخبار أهاليهم بأنهم أحياء، وتنظيم البريد بينهم وبين أسرهم. فوافقنا على ذلك، إلا أننا تعرضنا لضغوط من أجل إطلاق سراحهم، فتساءلنا عن سبب مبادرة المغرب الرسمي دون أن يكلف الاسبان أنفسهم أي عناء. وقد فهمنا ذلك فيما بعد حيث تتابعت الأحداث وبدأ الشروع في التمهيد لاقالة حكومة عبد الله ابراهيم التي طالبت بجلاء القوات الاسبنانية تمهيدا للمطالبة بجلاء القات الفرنسية، وقد كانت الحكومة الاسبانية على استعداد للجلاء إلا أن مبعوثا من القصر طلب منها تأجيل الجلاء حتى لا يجد صعوبة في ترحيل الحكومة، فهو عازم على إقالتها خلال الأيام القليلة القادمة. وقد تم ذلك فعلا، ونشرنا الخبر في جريدة التحرير بعد إقالة الحكومة) الفقيه البصري- نشرة الاختيار الثوري.
- صدار ظهير اختصاصات المجالس البلدية والقروية بصيغة تبقى (دار لقمان) على حالها وإهدار جاحات الحركة الإتحادية التي حققتها من خلال صناديق الإقتراع.
وعندما وصل إلى أسماع المناضلين الإتحادين خبر مؤامرة 16 يوليوز 1963، فوجئ الجميع، وشعروا بتتابع الضربات بدون تمييز ولا تبرير.. بل أدركوا بأن هذه التهمة هي الجزء الثاني من فصل سابق يروم إعدام القوات الحية في المغرب.
غير أن الأمر المؤكد لدينا – من خلال العديد من الشهادات الحية والوثائق الثبوتية في شأن هذه المؤامرة -... هو أن مسألة التآمر من حيث المبدأ (للإعتداء على حياة الملك والمس بسلامة الدولة الداخلية.. الخ) حسب صك الاتهام هذه المؤامرة ارتكزت على وقائع معينة انطلقت منذ اعتقال المناضل مومن الديوري في 14 يونيو 1963 وبحوزته مسدسان، وذلك على يد الكوماندان أحمد الدليمي، في نطاق حملة مطاردة أعضاء منظمة شيخ العرب، والذي لم تستطع كافة أجهزة الأمن توقيفه أو الاهتداء إليه رغم أنه كان يتحرك بكل حرية عبر كافة مناطق البلاد.
وبعد اعتقال مومن الديوري مباشرة تم اعتقال كل من لحسن باحسين وعبد الله كاكازو الحاج أحمد اشويض وعبد الله بوزاليم.. من تنظيم شيخ العرب.
وتأكد لنا تبعا لما ذكر.. بأن تصريحات هؤلاء مجتمعين تم الإعتماد عليها لوضع (يسناريو) عام وشامل على امتداد التراب الوطني يستطيع استيعاب خمسة آلاف متهم من كافة أصناف الحركة المعارضة لدار المخزن.
وهكذا وجد عشرات عمداء الأمن الوطني صعوبة بالغة في معتقل دار المعري لـ (تغريق) الخمسة آلاف معتقل.. بحيث اكتفوا في الأخير بـ 102 متابع في هذه القضية.. إلا أن مستنجدات المحاكمة ستفضح العديد من الثغرات في هذه (المؤامرة المزعومة).. حتى داخل الـ 102 متابعا!!؟
... نعم.. اعتقلوا كافة أعضاء اللجنة المركزية ومن كان معهم داخل مقر الكتابة العامة للحزب، ثم ذهبوا لكافة الأقاليم لاعتقال ناشطيها الحزبيين.. ثم ذهبوا يبحثون عن الفقيه البصري ليعتقلوه بالرباط بعد يومين..!!؟.. الأشخاص بعيدا عن مقر الحزب بالدار البيضاء.
وسيكتب الصحفي الفرنسي (شيفان سميث) على لسان المناضل مومن الديوري بعد ذلك بعدة عقود!
(... ماذا حدث بالضبط في سنة 1963؟ في الواقع كانت هناك مؤامراتان قيد الإعداد، تتعلقان بشيخ العرب ومحمد البصري. وحسب ما كشف لي مومن الديوري بتاريخ 3 أبريل 1998 في مقره بباريس فقد قال بأنه شارك في تسليح شبكة سرية متفرعة عن جنود جيش التحرير.. وكانت مهمته إلى جانب آخرين سرقة (12) كيس من الأسلحة والقنابل، ورشاشات (طومسون) وذخائر أخرى من القاعدة العسكرية الجوية من القنيطرة).
وحتى إذا افتراضنا أن هناك مؤامرة مسلحة ضد الدولة.. فإن الأمر كان لا يتجاوز كحد أقصى ثلاثين شخصا من مجموع 102 متهما في هذه القضية.. فكيف كان سيكون الأمر مع عملية الزج العشري بخمسة آلاف معتقل في هذه القضية؟
وكان من ثغرات هذه (المؤامرة) أن تم حجز (32) قطعة سلاح لقلب نضام الحكم في البلاد، منها!11 مسدس ورشاشتان وخمس بنادق صيد (لمنظمة الفقيه البصري) و (7) رشاشات و (7) مسدسات، لمنظمة شيخ العرب.
وهو تسليح لا يكفي لتسليح فصيل عسكري واحد!!؟
فكيف إذا كان الأمر يتعلق بخمسة آلاف متآمر من مختلف أنحاء البلاد؟
كما أن معظم الأسلحة المحجوزة كان فرديا وذا طبيعة دفاعية ومن مخلفات مقاومة ....لقد كانت هذه إشكالية مزعجة للغاية لـ (مخططي) المؤامرة كي يقع في أفخاخها ألاف من الأبرياء!! وسيعيدون الكرة.. في ما بعد... وهاهو ضابط المخابرات احمد البخاري يشهد بأن جهاز (CAB1) كان لا يتورع عن دس الأسلحة الفاسدة للتنظيمات المعارضة.. حتى إذا تمت إدانتها  بأحكام ثقيلة.. أعيد تويزع هذه الأسلحة من جديد على تنظيمات جديدة.. بينما كان الجلادون يستفيدون من ترقيات خيالية على حسنات الأبرياء والمظلومين.

 كرونولوجيا التآم.. والتآم المضاد
- 10 إلى 24 فبراير 1958 : فرنسا وإسبانيا تشنان هجمات عسكرية قوية ضد جيش التحرير في الجنوب، مع استعمال مطار (بنسركاو) في أكادير في هذه الهجمات، مما ألحق أضرارا فادحة بهذا الجيش، جعلته يتراجع عن متابعة مهمة تحرير كافة المناطق المغربية المستعمرة.
- أبريل 1959 : إنهاء مهام المجلس الوطني الاستشاري؛ الذي كان يرأسه المهدي بنبركة، وذلك رغم طابعه الاستشاري وافتقاده للتمثيلية الشعبية والديمقراطية، بدليل أن الملك هو من قيوم بتعيين كافة أعضائه، بينما فريق ولي العهد يبشر (أحزاب المعارضة) بقرب إقالة حكومة عبد الله إبراهيم، بعد شهرين، ولم ينقي على تشكيلها أربعة أشهر!!؟ وعندما انقضى الأجل المحدد، عاد وحدد لهم مواعيد، غير أن محمد الخامس، كان يعطي كامل ثقته لعبد الله إبراهيم.
- اعتبار من 4 دجنبر 1959، تعريض جريدة (التحرير) لسان الاتحاد الوطني للقوات الشعبية لمسلسل من الحجز والمحاكمات والغرامات والتضييق على صحافييها، وعما لها، بل وعلى موزعيها عبر الأقاليم، وفتح محاضر بوليسية لبعض قرائها أحيانا.
- 15 دجنبر 1959 : اعتقال كل من الفقيه البصري وعبد الرحمان اليوسفي بتهمة نشر مواد صحفية في جريدة (التحرير) تتضمن قذفا ومسا بشخص الملك، وتوقيف الجريدة اعتبارا من يوم 16/12/1959.
- 21 يناير 1960 : المهدي بن بركة يضطر لمغادرة المغرب نحو الخارج لشعوره بدرجة الاحتقان العام في البلاد مع اشتداد "الهجمة الرجعية والاقتطاعية" المعادية للتحرر والديمقراطية في البلاد.
- اعتبار من 14 فبراير ولغاية 26 فبراير 1960، مباشرة حملة اعتقالات واسعة في صفوف قادة المقاومة وجيش التحرير تجاوز عددهم الستين بتهمة الإعداد لاغتيال ولي العهد، في الوقت الذي غادر البلاد كل من الملك محمد الخامس والأستاذ عبد الله إبراهيم في زيارات رسمية لعدد من بلدان المشرق العربي؟
- 29 فبراير 1960 : شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي عضو مجلس التاج يقدم استقالته احتجا على اعتقال المقاومين، حسب ما أعلنه للصحافة، مطالبا في نفس الوقت بمكافحة مصالح الاستعمار في البلاد.
- 17 مارس 1960 : انطلاق العصيان المسلح لمجموعات البشير وبنحمو في  منطقة بني ملال، أزيلال، وعصيان مماثل في منطقة أمزميز لمجموعة المقاوم مولاي الشافي.
- 25 مارس 1960 : الاتحاد المغربي للشغل، ينظم اضرابا إنذاريا عاما تضامنيا مع سياسة حكومة عبد الله إبراهيم  واحتجاج على اعتقال المقاومين، واحتجاج كذلك على الترخيص لنقابة الاتحاد العام للشغالين التابعة لحزب الاستقلال.
- أبريل 1960 : اشتداد الحملة من أجل وضع دستور للبلاد، ما بين مطلب انتخاب مجلس تأسيسي لوضع الدستور الذي نادى به الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وما بين محاولات (تهريب) مشروع نص دستوري من إعداد الأجانب وفقهاء التكنوقراط المحلي، كما كان يسعى إليه ولي العهد بالاعتماد على صداقاته مع موريس وفريجي واحمد رضا كديرة ومجيد بنجلون.
- 8 ماي 1960 : الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، يحصل على نسب مئوية هامة في انتخابات الغرف التجارية والصناعية،وصلت في بعض المدن الرئيسية إلى نسبة 100 في المائة، مما أصاب خصومه بالذهول، فقرروا الانتقال للهجوم النهائي قبل الانتخابات البلدية والقروية.
- 15 ماي 1960:  يقوم تحالف علني ما بين أحزاب الاستقلال والحركة الشعبية والدستور الديمقراطي والأحرار المستقلين للمطالبة بإقالة حكومة عبد الله إبراهيم، وضرورة تشكيل حكومة وطنية ائتلافية.
- 20 ماي 1960 : يتم إعفاء الحكومة، وكانت آخر قراراتها، تحديد فاتح شهر يوليوز 1960 كآخر أجل للاستغناء عن كافة الخبراء الأجانب العاملين في أجهزة الجيش والأمن، بمن فيهم الكوماندان الأمريكي (بلير) المساعد العسكري لولي العهد.
- 27 ماي 1960 : المهدي بنبركة يصرح من منفاه لجريدة ـ لوموند ـ "الوضع الراهن بالمغرب ليس سوى تراكمات لصراع بين تيارين؛ تيار ديمقراطي تحرري وآخر إقطاعي متخلف".
- 27 ماي 1960 : عبد الله إبراهيم يصرح في تجمع انتخابي بالرباط، "علينا أن نختار ما بين الديمقراطية والفاشية".
- 29 ماي 1960 : إجراء الانتخابات البلدية والقروية، وحصول حزب الاستقلال على حوالي 40 في المائة من المقاعد، والاتحاد على نسبة 25 في المائة، مع أنه لم يمض على قيامه كحزب سياسي سوى سنة واحدة.
- 3 يونيو 1960 : محمد الخامس يطلق سراح المقاومين بمناسبة عيد الأضحى، مع حفظ المتابعة في حقهم.
- 12 يوليوز 1960 : تعيين الكولونيل محمد أوفقير، مديرا عام للأمن الوطني خلافا لمحمد الغزاوي.
- 7 نونبر 1960: تنصيب المجلس الدستوري المشكل من (78) شخصية معينة من طرف الملك.
- نونبر 1960 : انطلاق نشاط شعبة المخابرات (1-CAB) بدعم كبير من وكالة المخابرات الأمريكية، سرعان ما سيتعزز بدعم آخر من المخابرات الفرنسية والإسرائيلية والإيرانية، وستكون نشاطاته الرئيسية موجهة ضد الحركة الاتحادية بكل مكوناتها ( منظمات المقاومة وجيش التحرير، النقابة ـ الاتحاد الطلابي).
- 26 فبراير 1960 : الوفاة المفاجئة للملك محمد الخامس.
- 28 فبراير 1961 : تنصيب ولي العهد ملكا على المغرب خلفا لأبيه.
- 19 غشت 1961 : إصدار الحكم بالإعدام على مجموعة المقاومين، محمد بنحمو الفراضرى، أربعة في حال اعتقال والخامس (عمر الفرشي) في حالة فرار.
- صيف 1961 : جريدة (التحرير)  تتجاهل ما تعرضت له مجموعة  الفواضري من تعذيب بشع، وتتجاهل المحاكمة طيلة مدة انعقادها، مما وفر للنظام الذريعة لإصدار أحكام الإعدام الأنفة الذكر.
- يونيو 1961 : الحسن الثاني يصدر القانون الأساسي، بمثابة دستور مؤقت في انتظار إقرار دستور دائم.
- 3 يناير  1962 : حزب الاستقلال يقدم استقالة وزرائه من الحكومة بعد فشله في إقناع الملك بتحديد اختصاصات أحمد رضا كديرة، ومنعه من التدخل في القضايا الأساسية للدولة.
- 24 يناير 1962، تنفيذ أحكام الإعداد في محمد بنحمو الفواضري وإدريس بن أحمد المولات واحمد بن تاجة الجابوبي وعبد الله بن لحسن ازناكي، بينما تمكن خامسهم المدعو الفرشي من الفرار، وكان محكوما بالإعدام كذلك، وزج برفاق الفواضري في السجون بعقوبات ثقيلة، ولم تتحرك جريدة (التحرير) سوى بعد تنفيذ أحكام الإعدام!؟
- 15 ماي 1962 : عودة المهدي بنبركة من الخارج، بعد رحلة طويلة استغرقت سبعة وعشرين شهرا ونصف الشهر، رافقت انعقاد مؤتمر الحزب.
- 25 / 27 ماي 1962 : انعقاد المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
- يونيو 1962 : اشتداد الصراع على المقاطعات بين جناحي الحزب والنقابة والجهاز البورصوي، يلغي إضرابات الموظفين نتيجة تواطؤ مفضوح مع المحجوب بن الصديق.
- يونيو 1992: شيخ العرب يلتقي مغرب ذات يوم في شقته بحل العكاري بالرباط، مع المهدي بنبركة بترتيب من مومن الديوري، وذلك في أفق التعاون فيما بينهما، شيخ العرب وضع منذ اللحظة الأولى مسدسه على الطاولة وفوهته في اتجاه المهدي بنبركة قائلا :"انظر ما ينتظرك في حالة الخيانة.. إن صاحبك الحسن الثاني يمكن أن يعرض عليك منصب الوزير الأول، فتقبل وتحرقنا.. إنكم لستم ثوريون بل سياسيو محترفون. (Moumen Diouri – Réalités Marocaine. Page 214)
- شتنبر 1962 : صدور النصوص القانونية الماسة بالحريات العامة، وتشديد القمع، وذلك في طار تحضير الدستورين وتصاعد موجة الهجوم على المكاسب الشعبية.
- شتنبر 1962 : انفجار قنبلة في مطبعة (امبريجيما)، حيث تطبع جريدة (التحرير).
- نونبر 1962 : انطلاق الحملة الدعائية الرسمية لتمرير (الدستور الممنوح) والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، يطالب بالجمعية الوطنية التأسيسية لوضع الدستور، ويدعو أعضاءه لمقاطعة الاستفتاء، بينما دعا الاتحاد المغربي للشغل أعضاءه للامتناع عن التصويت.
- 16 نونبر 1962 : تعريض المهدي بنبركة والمهدي العلوي لحادثة سير مدبرة على أيدي عناصر المخابرات (CAB -1)، قرب بلدة (بوزنيقة).
- نونبر 1962 : إعلان استقلال دولة الجزائر، وتوافد مئات المناضلين الاتحاديين الفارين من المغرب عليها هربا من حملات القمع والاضطهاد، ونظام الرئيس أحمد بنبلة، يرعى شؤونهم بتقديم المساعدات المالية ودور السكن.
- 7 دجنبر 1962 : عرض مشروع الدستور الذي أعده فريق (دار المخزن) على الاستفتاء. وقد شكلت هذه المسألة واحدة من كبريات مواضيع الصراع بين الحركة الاتحادية (دار المخزن) فيما كانت هذه الأخيرة تسعى لتفصيل العقد الدستوري المستقبلي على مقاسها الخاص، ووفق مصالحها، كانت الحركة الاتحادية تعتبرها حلقة من نضال تاريخي توقف مع 1912، عندما أعطى الشعب المغربية الأولوية لمواجهة الاحتلال وأجل الوثيقة الدستورية، وعندما زال الاحتلال توجبت العودة إلى مضمون عقد البيعة لمولاي حفيظ.
- يناير 1963 : إقالة كل وزراء حزب الاستقلال بعد عملية الاستفتاء مباشرة وذلك لحرمان الحزب لدوره الوازن في إنجاحها بنسبة ساحقة.
- يناير 1963، عمر بنحلون، يتعرض لعملية  اختطاف على أيدي عصابات الاتحاد المغربي للشغل، حيث تعرض للتعذيب والاستنطاق على مدى عدة أيام في قبو البورصة بشارع الجيش الملكي في الدار البيضاء، باعتباره آنذاك رئيسا لجامعة البريد التابعة للنقابة،أي الطليعة المتنورة الرافضة للمشار الانحرافي البورصوي، الذي تصاعد كثيرا خلال الشهور الأخيرة، لاسيما بعد إلغاء إضراب الموظفين بتواطؤ مشين مع أحمد كديرة، المدير العام للديوان الملكي ووزير الداخلية والفلاحة.
- يناير 1963 : انعقاد المؤتمر الثالث للاتحاد المغربي للشغل، والذي أقرّ بعناد مبدأ (الخبر) والانفصال عن العمل السياسي، بذريعة أن النقابة هي جهاز مستقل كليا عن كافة الأحزاب السياسية!! وبعدها سيقاطع الجهاز البورصوي اجتماعات اللجنة الإدارية للحزب.. ثم سيقدم مرشحين عنه للانتخابات البرلمانية في مواجهة آخرين من رفاقهم في الاتحاد الوطني، في حين إنهم يعملون جميعا داخل حزب واحد.
- 20 مارس 1963 : تأسيس جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، برئاسة رضا كديرة (آنذاك المدير العام للديوان الملكي ووزير الداخلية والفلاحية) وقد حضر حفل الإعلان عن التأسيس بفندق المنصور بالدار البيضاء، عدد كبير من كبار مسؤولي الدولة، من جملتهم محمد أوفقير، المحجوبي أحرضان، عبد الكريم الخطيب، أحمد باحنيني، إدريس السلاوي وأحمد العلوي.
- 10 أبريل 1963 : جريدة (التحرير) تنشر نص الاستجواب الذي أجريته مجلة (جون أفريك) الفرنسية مع كل من المهدي بنبركة، عبد الرحيم بوعبيد، وفيه مقاطع عنيفة موجهة شخصيا للحسن الثاني :( إذا تم تزوير الانتخابات سنلجأ للكفاح المسلح..)، (إنشاء حزب الفديك هو قرار ملكي للقضاء على الأحزاب)، (خصمنا الحقيق ليس كديرة، بل ولي نعمته الملك والذي لم يعد حكما، بل رئيسا لتجمع من المصالح المعادين)، أما عنف هجمة المهدي فكان مرده إلى الاتفاق المسبق بينه وبين شيخ العرب.
- أبريل 1963: تنظيم الانتخابات البرلمانية، وحصول حزب رضا كديرة على نسبة هامة من المقاعد، رغم أنه لم يمض على تأسيسه أكثر من شهرين!؟
- يونيو 1963 : تعيين الكوماندان أحمد الدليمي رئيسا لجهاز المخابرات (CAB -1).
- 4 يونيو 1963 : إعفاء رضا كديرة من وزارة الداخلية، تحت وطأة الاتهامات التي وجهها له كل من حزبي الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بقيامه بتزوير الانتخابات التشريعية، مما جعل حزبه يحصل على 24 في المائة من أصوات الناخبين بينما لم يمض على قيامه سوى أسابيع قليلة.
- 14 يونيو 1963 : الكوماندان أحمد الدليمي، يلقي القبض على مومن الديوري، في مدينة القنيطرة، وبدء العد العكسي لتلفيق مؤامرة (16 يوليوز 1963.
- 17 يونيو 1963 : سريان مفعول القانون الجنائي الجديد، والمتضمن لتدابير قانونية مشددة، قياسا لقانون  الجنائي السابق، المؤرخ في 24 أكتوبر 1953، وذلك في أفق التحضيرات لمواجهة قوى المعارضة.
- 15 يونيو 1963 : المهدي بنبركة يغادر مجددا إلى الخارج، وقد تم تأخير إقلاع طائرته من مطار الدار البيضاء، ريثما سمحت (دار المخزن) برحيله علما بأنه كان مبرمجا للاعتقال مع باقي قادة الحزب بعد حوالي شهر، ولكن مسارعته للرحيل أربك المخطط، فكان القرار هو السماح له بالسفر لتفادي المزيد من الإرباك في تنفيذ المخطط الموضوع لمواجهة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بشكل حاسم، ويقال بأن الكولونيل محمد أوفقير كان مسافرا على نفس الطائرة.
- 20 يونيو 1963 : جهاز المخزن يعلن عن تأجيل الانتخابات البلدية والقروية إلى أجل غير مسمى، لالتقاط الأنفاس وللتمكن من إعداد لوائح من مؤيديه كمستشارين جماعيين من بين صفوف قدامى الخونة والإقطاعيين.
 هذه هي المقدمات العملية؟؟ نظام المخزن، مساء يوم 16 يوليوز 1963، باعتقال أعضاء اللجنة المركزية للحزب، مع من اجتمعوا بهم من برلمانيين وصحافيين اتحاديين، بل وأجانب، هذا الاجتماع الذي كان مقررا لتحديد موقف الحزب من الانتخابات المقبلة، فإذا بحملة الاعتقال تحصدهم جميعا، حتى دون اللجوء في اعتقال البرلمانيين للمسطرة الدستورية المنصوص عليها في دستور البلاد!!؟

.. عن صاحب القولة التهويلية (واش عرفتي آخاي.. آش طرا لينا.. لما أتأبضنا؟ هاي هاي!!
هو معروف في الأوساط الاتحادية بـ (الصوحافي) أو (مستكتب باب الأحد) فقد التحق بصحف أحمد رضا كديرة بعد الاستقلال بمؤهل مدرسي لا يتجاوز السنة الأولى إعدادي، وبعد فترة من العمل في جرائد (المشاهد) ثم (الأطلس) خادما مطيعا لدى واحد من كبار زعماء الفرنكفونية وأعداء الحركة الوطنية المغربية، أي أحمد رضا كديرة، بعد ذلك استطاع أن يلتحق بجريدة (التحرير)، حيث ظل باستمرار مستكتبا صغيرا يقتات على السرقات الصحافية.
إلى جانب عمالقة كبار في التحرير كمحمد باهي وعابد الجابري وعبد السلام البوسرغيني، وعبد الرحمان الصحراوي ومحمد علي الفواري وغيرهم.
اعتقل الرجل في مقر الكتابة العامة للحزب، مساء يوم 16 يوليوز 1963 وكان متواجدا هناك لتغطية أشغال اللجنة المركزية للحزب. ليقضي في الاعتقال حوالي (120 يوما) ما بين كوميسارية المعاريف بالبيضاء إلى كوميسارية الرباط إلى دارء المقري إلى السجن المركزي في القنيطرة.
أما في دار المقري، فقد متعة القاضي عبد السلام الدبي بامتياز التحرك الحر بين السجناء بدون عصابة على الأعين، أو قيود حديدية في الأقداح والأرجل، كما هو حال العديد من أعضاء الحزب، والذين كانوا ينئون من آثار التعذيب والمرض والجوع.
وعندما ظهر في قاعة المحكمة، ظهر كعريس في (ليلة الدخلة) لما كان عليه من نضارة ووسامة وانشراح، فقد استعمل جيدا من طرف المحققين، كمحتطب للمعلومات بين السجناء المناضلين في قلب المعتقلات، ليخرج بحكم البراءة أخيرا، ولكن الرجل ظل أسير عقدة مزمنة لا تزال تلازمه حتى اليوم.
"آخاش واش عرفتي.. لما أتأبضنا؟ هاي هاي!! هاي هاي!!
في الحقيقة صك الاتهام لا ينسب إليه سوى مجرد الاطلاع عبر الحسين الخضار على وجود خلايا مسلحة ليكلفه بالتنسيق مع الصحفيين لدى الحاجة.
لكنه عاد فأنكر هذه التهمة، أمام قاضي التحقيق وعندما أطبق سراحه أصبح يشيع بين الناس، بل وحتى عبر كتاباته الباهتة بأنه كان مكلفا بقراءة البيان رقم 1 لقيادة الثورة عبر أمواج الإذاعة والتلفزة!!
ولكن الرجل يستغفلنا متجاهلا بأن هؤلاء المتآمرين، إن وجدوا أصلا، لن يكلفون معلقا بتلك المأمورية لسبب بسيط هو أنه شخص يبلغ عددا من الحروف أو ينطقها بشكل غير سوي!!؟ ولا يمكن أن يكلف بالتوجه لملايين المواطنين بخطاب ملتو قمة في الرداءة.
فهناك مسافة شاسعة بين هذا النوع وبين نموذج أنور السادات وعلى سبيل المثال والذي تلا بيان ثورة 23 يوليوز 1952 بصوته الجهوري والقوي والسليم نطقا وأداءا.. بينما صاحبنا يتناسى بأن (قادتنا المتآمرين) سيكونون على جانب كبير من البلادة وانعدام الحس والسذاجة السياسية ليكلفوه بتلك المأمورية، وذلك أنه على سبيل المثال  بلد أن ينطق جملة لقد قامت قواتنا التقدمية بانقلاب ضد نظام القمع والقهر..إلخ) سينطق هذا المقل البسيط بالشكل التالي :( لأد آمت أواتنا التأدمية بانلإلاب ضد نظام الأمع والأهر..إلخ)!!
وجريا على نسق هذا الشخص في التهريج والكذب فإنه لا يزال حتى يومنا هذا متسلقا على الصحافة المكتوبة ويغذي (كتاباته) فيها بالكثير من الحقد والكراهية العنصرية والتخلف الفكري والذاتية المفرطة (ولله في خلقه شؤون).

ثغرات المؤامرة.. والمؤامرة المضادة
ما حدث بين ١٤ و٢٦ فبراير ١٩٦٠، كان في الواقع يشكل اعتقالا (عشوائيا) لأكثر من ستين من قادة المقاومة وجيش التحرير من مختلف جهات المغرب - كان مقررا - إلباسهم جميعا تهمة (التآمر) لاغتيال ولي العهد.. وهو الاعتقال الذي كان ضروريا - من وجهة نظر فريق ولي العهد - للتعجيل بتفكيك وحدات جيش التحرير، واسقاط حكومة الأستاذ عبد الله إبراهيم.. وهو كذلك الهدف الثمين الذي كانت تلتقي حوله مصالح الفريق الأنف الذكر مع مصالح كل من فرنسا وإسبانيا.
أما ما حدث مساء يوم ١٦ يوليوز ١٩٦٣ فقد كان منسجما كلية مع نفس السياق.. ونفس الدواعي والاعتبارات والأهداف.. ولكن في لبوس غير مسبوق من التهويل والتضخيم والتعظيم... إذ وصل عدد المعتقلين في هذه المرة إلى خمسة آلاف شخص من كافة جهات المغرب.. حشروا كلهم في مربع التورط في تهمة (الاعتداء على حياة الملك، والمس بسلامة الدولة الداخلية، وعدم الإخبار بهذه الجرائم، والمشاركة فيها، والإعانة عليها.. إلخ) حسب صك الاتهام.
وفي ما هو أشبه بعملية (تنظيف) شاملة للساحة الوطنية من كل العناصر المعارضة كيفما بلغت درجة معارضتها للنظام أريد لهذا النسيج التآمر الفريد من نوعه الذي زج به في هذه ا(المؤامرة).. أريد له بقدرة قادر أن يضم كل المكونات التالية رغم اختلاف مواقعها ومواقفها:
١- كافة القيادات والأطر النشيطة في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية على امتداد التراب الوطني، بينما تم استثناء قادة وأطر الاتحاد المغربي للشغل، بموجب الصفقة المالية الضخمة التي أبرمتها قيادة النقابة مع أحمد رضا كديرة - المدير العام للديوان الملكي ووزير الداخلية والفلاحة - في فندق المنصور بالدار البيضاء.. مقابل قيام الجهاز البورصوي بمقاطعة الانتخابات التشريعية المقبلة.. بما يسمح لحزب جهبة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (الفديك) أي حزب كديرة من الحصول على نسبة مريحة من المقاعد البرلمانية!!؟
٢- معظم قادة وأطر منظمات المقاومة وجيش التحرير.. على الرغم من أنهم حلوا تنظيماتهم تلقائيا.. أو أدمجوا بالقوة في مؤسسات الدولة قبل هذه الحملة بعدة سنوات!!؟
٣- مجموعة من التجار ورجال الأعمال والفلاحين.. ممن كانت لهم علاقات طيبة مع فصائل المعارضة.
٤- مجموعة من ضباط القوات المسلحة الملكية الذين اندمجوا قبل ذلك بعدة سنوات في صفوف الجيش الرسمي.. فأصبحوا متفرغين بالكامل لمهامهم الجديدة في نطاق الشرعية والقانون.. ولم يعد يربطهم برفاق الأمس سوى ذكريات عقد الخمسينات.
وهكذا جرى إحضار (الليوتنان عمر غاندي) من إحدى ثكنات (ميدلت) حيث كان يشتغل، إلى مقر المخابرات العسكرية (المكتب الثاني) بالرباط، حيث خضع لتحقيق طويل في شأن إخفائه لأسلحة حربية من مخلفات جيش التحرير!!؟
غير أن الطريف في الأمر.. هو أن مخابرات الجيش سبق لها اعتقال ضابط الصف موحا التكموتي السائق الخاص السابق لعمر غاندي عندما كان قائدا لإحدى القطاعات العسكرية التي يخفيها عمر غاندي.. وعندما لم يتوفقوا في الحصول من السائق على شيء يذكر.. ذهبوا رأسا لرئيس السابق لمساءلته هو الآخر بحثا عن هذه الأسلحة. وعندما لم يحصلوا على أية نتيجة وفق ماكانوا ينشدون حولوه إلى معتقل (دار لمقري) حيث صارحوه أخيرا بأنهم أصبحوا مقتنعين بانعدام أية أسلحة في حوزته.. ولكنهم يريدونه كـ (مجرد شاهد) يستطيع أن يقول لقاضي التحقيق بأن هناك مؤامرة رأس حربتا: قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بالاشتراك مع بعض ضباط الجيش من أجل قلب نظام الحكم في البلاد.. وأضافوا قائلين له من باب التطمين: إن هناك أشخاص آخرون، مدنيون وعسكريون، سيؤدون نفس الشهادة أمام قاضي التحقيق.. ولن تكون وحدك.. وسيكون في مقدورك الانصراف بعدها إلى عائلتك وعملك بدون أية تبعات!!؟
رفض عمر غاندي بعناد التجاوب مع هذا الطلب.. فلجأوا إلى تعذيبه بالكهرباء والمياه العفنة كي (يعترف) مكرها وذلك طيلة يوم كامل.. وقد تأكد له في ما بعد بأن باقي زملائه ضباط الجيش ممن عملوا سابقا في جيش التحرير تعرضوا لذات (السيناريو) بعد أن تم جلبهم من أماكن عملهم بمناطق نائية.. كل ذلك لتوظيف اعترافاتهم المنتزعة بالعنف من أجل (تغريق) قيادة وأطر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.. وكان من جملة هؤلاد الضباط الذين اعتقلوا وعذبوا في (دار المقري) إلى جانب عمر غاندي: المكي زوكاغ وأحمد الأخصاصي ونادير.. وآخرون.
وحيث أن مستنطقي (دار المقري) لم يستطيعوا انتزاع أي شيء ذي قيمة - كما كان مخططا له - للقيام بوضيفة (التغريق) لعدم تجاوبهم غير أنه تفاديا للفضيحة فإنه لم يطلق سراحهم.. حتى تم إطلاق سراح كافة المعتقلين في ما سمي بـ (مؤامرة ١٦ يوليوز ١٩٦٣)، وذلك بعد مظاهرات ٢٣ مارس ١٩٦٥ الشهيرة، وبعد العفو الملكي الشامل الذي أعقبها في أبريل ١٩٦٥.. فأعيدوا إلى وظائفهم وكأن شيئا لم يكن.. ولكن ذاكرة التاريخ عصية على الافتراء، ولا يمكن أن تساير الأوهام والأكاذيب!!؟
وما دمنا في مجال استعراض وسائل (التغريق)، يحضرنا هنا الدور المشبوه الذي قام به الكومندان محمد المذبوح كشاهد في هذه القضية، إذ أكد في تصريحاته لقاضي التحقيق بأن الفقيه البصري كان يخطط - بالفعل - لاغتيال الملك في قصره بالرباط.. بحيث اتصل به شخصيا لإنجاح هذا المسعى التآمري، باعتباره آنذاك رئيسا للحرس الملكي.. وطلب منه تصاميم لغرف نوم الملك ومكاتبه وأرقام هواتفه... إلخ.
وبالمناسبة فإن شخص محمد المذبوح يثير الكثير من علامات الاستفهام والتعجب.. فمنذ تعيينه عاملا على إقليم وارزازات (بتدخل من ولي العهد) سنة ١٩٥٨ - إبان تصاعد (التآمر الرسمي) لتفكيك وحدات جيش التحرير في مناطق الجنوب والشرق.. وكان ولي العهد آنذاك من موقعه كرئيس لهيئة الأركان العامة للجيش يشرف علي طاقم كامل من الضباط المكلفين بهذه المهمة: أوفقير - الشرقاوي - ح. العلوي - الدليمي - النميشى - السعيدي - المذبوح وغيرهم.. وفي هذا الخصوص، يتذكر الفقيه البصري بعض ما كان يحصل خلال تلك المرحلة: (كان بن حمو يصر علي أن تؤدى له المراسم العسكرية باعتباره القائد الأعلى (لم تكن له رتبة محددة) علي حساب السلوك النضالي السائد بين أطر المقاومة وجيش التحرير. ولم يخف هؤلاد تخوفهم من المخابرات التابعة للقصر والمتمركزة بكثمين برعاية أوفقير والدليمي اللذين كانا يحاولان استقطاب بن حموا مستغلين ظاهرة أداء المراسم كنقطة ضعف لديه ليجعلوا منها نقطة الالتقاء معه. وفيما نحن متجهان نحو «فم لحسن» بالسيارة سألته عن اتصالاته بعناصر من الجيش الملكي. وبالذات بمخابرات القصر، فصارحني بأنهم طلبوا منه تسهيل مهمة رئيس القسم الثاني بالجيش، القبطان النميشي، وطلبوا منه إعطائهم اللباس الخاص بجيش التحرير وشاراته. وتقديم مساعدات لهم للتسرب إلى صفوفه، مدعين أن لديهم معلومات مفادها أن نقاشا يجرى داخل جيش التحرير لتحويله إلى جيش جمهوري، وأن الغاية من التسرب هو مراقبة جيش التحرير من الداخل والتأكد من سلامته. وزكد لي أنه رفض رفضا قاطعا أن يكون مطية لتجسس عملاء الاستعمار علي المخلصين، ثم أضاف قائلا: إنني آعرف النميشي جيدا، وأن كل الأوسمة التي يحملها على صدره استحقها من الفنسيين مقابل جرائمه التي ارتكبها في حق الشعب الجرائري (وقد أعدم الجنرال النميشي علي يد الشهيد محمد أعبابو في أحداث الصخيرات في ١٠ يوليوز ١٩٧١).
وتكررت محاولات استدراج بن حمو. لكن موقفه لم يتغير. فقد استدعاه مرة الغزاوي مدير الأمن الوطني إلى بيته بمناسبة سفر محمد الخامس إلى الولايات المتحدة الأمريكية. فوجد مولاي حفيظ العلوي (الجنرال حاليا، ووزير القصور الملكية) الذي طب منه باسم الحسن تقريرا عن جيش التحرير ليرفعه إلي محمد الخامس بأمريكا. وهو ذاهب إلىه حاملا ملفات كل القضايا. فرفض بن حمو تسليم تقارير عن المناضلين إلى رجل مثل مولاي حفيظ العلوي الذي حطم أجهزة المذياع عندما كان باشا مدينة سطات في عهد الحماية لأن الناس كانوا يستمعون إلي إذاعة صوت العرب، وأن أعماله ما زالت تشهد علي خيانته، فكيف يمكن إعطاء أسرار المناضلين لمثل هذا الشخص).
.. بعدها سيظهر محمد المذدوح كوزير للبريد والمواصلات السكلية واللاسلكية في حكومة الأستاذ عبد الله إبراهيم، وذلك بضغط قوي من ولي العهد، بالنظر للطابع الأمني والمخابراتي لأجهزة الاتصال السلكي واللاسلكي آنذاك..
وبينما كان ولي العهد يقدم وعودا (متتالية بين شهر وآخر لأنصاره بقرب موعد اسقاط حكومة عبد الله إبراهيم... استغل فرصة انعقاد مؤتمر للاتحاد الوطني للطلبة المغرب وصدور بيان عنيف عنه يتناول جزء من واقع الجيش.. ضغط ولي العهد علي محمد المذبوح ليقدم استقالته من الحكومة احتجاجا علي ما ورد في البيان الآنف الذكر دفعاعا عن سمعة الجيش.. بينما لم يقم كبار الضباط بهذه الخطوة أسوة بمبادرة الذبوح.. من أمثال (الماريشال محمد امزيان والجنرال الكتاني والجنرال بنعمرو والكولونيل أوفقير وغيرهم!!؟
قدم المذبوح استقالته فقبلها محمد الخامس بدون تردد!! فغابت (الخطة) التي كانت تقضي بإسقاط  الحكومة كاملة حسب خطة ولي العهد ولتعويضه شخصيا.. قام ولي نعمته بتعيينه رئيسا للحرس الملكي برتبة (كوماندات)!!؟ في انتظار الفرصة الأفضل.
ثم سيظهر محمد المذبوح (فجأة) كعامل لمدينة الدار البيضاء في أعقاب الإضراب العام الذي قام به الاتحاد المغربي للشغل في ٢٥ مارس ١٩٦٠.. وحقق في الدار البيضاد نسبة نجاح كاسحة.. وقد عين هناك للمساعدة علي المواجهة الفعالة - مستقبلا - لمثل هذه الإحداث الصادمة!!؟ ولا شك أن ولي العهد اكتشف ليه مواهب مبكرة كانت منعدمة لدى نظرائه.
.. وها هو يظهر مرة أخري كشاهد (وازن) في (مؤامرة ١٦ يوليوز ١٩٧١ بقصر الصخيرات على يد الانقلابيين بعد أن تأكد للجميع بأنه كان هو الرأس المدبر لهذه المحاولة الانقلابية منذ البداية وحتي النهاية.. ولكن مراهته علي شخص متهور وأهوج (امحمد عبابو) أضاع كل آماله وجعله يموت علي طريقة لصوص المواشي في أمريكا (الكاوبوي) حيث بقيت جثتته لثلاث أيام في مكانها قبل إحراقها وردمها في مكان ما بدون قبر معين كباقي عباد الله المسلمين!!؟
أما عن باقي غرائب المحاكمة المتصلة بهذه (المؤامرة) العجيبة، فقد فضح المحامي الأستاذ محمد التبر جانبا منها حينما تقدم في قاعة  المحكمة إلى السيد مجيد بنجلون - وكيل الملك - قائلا: في ما يخص الأسلحة المنسوب حيازتها للسيد آيت يونس، والتي تم إحضارها من مخبأ خاص في جبل بإقليم طاطا.. نريد أن نعرف كيف صعدتم إلى هذا الجبل للقيام بحجز الأسلحة؟ هل على متن السيارات، أو على ظهور البهائم، زو علي متن طائرة الهيليوكوبتر؟ كما نريد أن نعاين هذه الأسلحة المصورة أمامنا في صورة فوطوغرافية.. وهي موضوعة فوق مربعات (الزليج).. كما نتسائل.. هل تتوفر مباني طاطا علي (الزليج والفايانص) حتي يكون متوفرا داخل المغادات في قلب الجبال؟!!
إن هذه مهزلة كبرى - يقول (الأستاذ محمد التبر وعلى جهاز الأمن أن يتحمل مسؤوليته!!؟
بطيبعة الحال، أصيبت هيئة المحكمة بالارتباك ولم تستطع تفسير نقاط الغموض والشك في شأن هذه الحجوزات الخطيرة.
ثم تقدم بلمليح (من مجموعة شيخ العرب) مطالبا بإحضار الرشاشة الحربية الواردة في محضر الحجز والمنسوبة إليه.. ولكن المحكمة لم تعثر عليها سوى في صباح اليوم التالي!!
وحينما وجدتها فجأة فوق طاولة المحجوزات، كانت تبدو بطاقة تقنية جديدة تحمل بدقة مواصفاتها الفنية.. ولكنها غير مطابقة للرشاشة الواردة في محضر الحجز.. وقد وقف الأستاذ المعطي بوعبيد طويلا أمام هذا الموضوع ناعتا إياه بالمهزلة.
وبعد أن قام مومن الديوري بتفجير بداية هذه المحاكمة عندما صرح بأن المؤامرة الحقيقية، كانت هي مؤامرة النظام ضد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.. توقفت أشغام المحاكمة لمدة ثمانية أيام.. استطاعت خلالها هيئة المحكمة والنيابة العامة إعادة ترتيب أوراقها.. وهكذا انطلقت المحاكمة مجددا بالشوع في استنطاق المتهمين واحدا واحدا.
تجدر الإشارة إلي أنه تم قبول محامين من مصر وتونس والعراق وفرنسا لدى انطلاق المحاكمة، لكن سرعان ما تم طردهم بعد الهزة العنيفة التي أحدثتها تصريحات مومن الديوري.
غير أن من الفظاعات الكبرى المرتكبة خلال هذه المحاكمة ما قام به محمد أوفقير تجاه مجموعة من المعتقلين في دار المقري أغير بهم: عبد الله بوزاليم - عبد الله كاكاز - الحاج أحمد اشويط - الشيخ عبد الله أوبن السي علي - بلحسن آيت بوهوم - محمد بن علي بولحية الطاسي - القبطان الصقلي - عبد الكريم دا بلعيد - احماد بن الهاشمي وغيرهم.
هؤلاد المناضلون الذين حملوا السلاح لإرجاع العائلة المالكة من المنفى السحيق في مدغشقر.. تمت تصفيتهم على يد الكولونيل محمد أوفقير بشكل (مافيوزي):
- أربعة منهم اغتيلوا وقذف بجثثهم في شواطئ الدار البيضاء بعد إقدام شيخ العرب على تصفيته أربعة من رجال المخابرات (CAB-1) وذلك من باب الانتقام.
- الآخرون اختفوا في (دار المقري)، مع أنهم كانوا محكومين بأحكام تتراوح بين ١٠ و٢٠ سنة والمؤبد في هذه المحاكمة (المسرحية).. غير أن الكولونيل أوفقير وأسياده كانوا قد قرروا حكما آخر بالموت الزؤام.. يعلم الله كيف تم؟ وعلى أيدي من؟؟ وأين هي الرفات؟؟
فالمحاكمة الإقليمية بالرباط الت ينظرت في هذه القضية أصدرت أحكاما في حق ١٠٢ متابعا.. من بينهم هؤلاد المقاومون الذين أعدمهم الكولونيل محمد أوفقير ومصالحه بشكل جائر وخارج نطاق الأحكام القضائية.. فقد كان عبد الكريم دا بلعيد محكوما بالسجن المؤبد، واحماد بن الهاشمي بعشرين سنة، والحاج أحمد أشويض بخمس سنوات.. ولكن أوفقير طبق شريعته الخاصة في حقهم ضدا علي أحكام القضاء المغربي.. والأكثر خطورة من كل ذلك أن القضاء المغربي حكم عليهم باعتبارهم في حالة فرار.. بينما كان أوفقير يحتفظ بهم سرا في دار المقري.. تحقيرا واستهزءا بمؤسسة القضاء.. كما لو أنه مؤسسة أخرى أكبر شأنا وأسمى مكانة.
كما سيعدو هناك كلا من محمد بن علي بولحية والقبطان الصقلي بدون إحالتهم على القضاء بعد عجزه عن توفير الأدلة الكافية على تورطهم من الناحية القانونية.
... بولحية الطاطي.. تركه هناك حيا رفاقنا عمر غاندي ومصطفى الودراسي.. واختفى إلى الأبد لأن زوجة أوفقير الثانية: فاطمة بنت الفقيه محمد أو الهاشم وأمها حرضتا أوفقيه عليه لتصفيته نظرا لقيامه سنة ١٩٦٧ بنقل كتب زاوية (بتمكلشيت) إلى المهد الإسلامي في تارودانت.. وهي الجريمة التي لم تغفراها أبدا لبولحية.
أما القبطان الصقلي.. فقد قتل أمام المناضل مومن الديوري في دار المقري.. بشكل همجي.. لترويض مومن قصد التعاون معه في المحاكمة لتغريق أكبر عدد من القادة والمناضلين.
كما كان من غرائب هذه القضية اعتقال عدد من أفراد عائلة (شيخ العرب) وكان ذلك وفق مايلي:
- في غشت ١٩٦٣ تم اعتقال زوجة الشيخ العرب (مينة) وولديها توفيق (٥ سنوات) ونادية (٤ سنوات) والصهر أي أب الزوجة ليوضعوا في معتقل دار المقري إلى جانب عمر غاندي وأحمد الأخصاصي ومصطفى الودراسي وبولحية بن علي الطاطي.. وغيرهم.. وقد دام هذا الاعتقال لأكثر من سنة فلم يفرج عنهم سوى بعد مصرع شيخ العرب في ٧ غشت ١٩٦٤.
- اعتقال شقيق شيخ العرب (امحمد فوزي) والذي كان يشتغل كشرطي في مدينة طنجة - وقد كان من قدامى المقاومين - حيث تعرض للاستنطاق على يد الكولونيل محمد أوفقير شخصيا بينما كان هذا الزخير في حالة سكر شديدة أقدم خلاله علي إطلاق مخزن كامل من رشاش (MAT 49) علي فوزي فأخطأه لكونه انبطح أرضا في اللحظة المناسبة.. كما قام المحققون في معتقل درب مولاي الشريف بتكسير أربعة من أضلاع قفصه الصدري.
- اعتقال الشقيق الثاني لشيخ العرب (مبارك) وتعريضه للتعذيب في دار المقري ولم يفرج عنه إلا بعد مصرح شيخ العرب.
كل هذه الاعتقالات العشوائية في صفوف عائلة شيخ العرب كانت تستهدف تحقيق شيء واحد دون سواه: قيام شيخ العرب بتسليم نفسه لقوى المخابرات.. وقد تزامنت مع آلاف حالات الاعتقال الأخرى علي الصعيد الوطني بهدف استئصال الحركة الاتحادية من الجذور، وتصفية كل التنظيمات المرتبطة بها من مقاومة وجيش تحرير وحركة طلابية وغيرها.
وقد كان الفرنسيون قبلا ت- في صيف ١٩٥٤ - قد اعتقلوا أب شيخ العرب لإجبار ابنه علي تسليم نفسه.. وهو ما حدث آنذاك.. غير أن مصالح أوفقير (علي عهد الاستقلال) اعتقلت العديد من أفراد عائلته بما فيهم الأطفال للوصول إلى نفس المبتغى.
كما كان من غرائب هذه (القضية) خروج بعض المعتقلين من هذه المحاكمة.. بوضعية اعتبارية جديدة جعلتهم من المقربين الدائمين لـ (دار المخزن) لعقود طويلة.. بحيث كان المخازنية لا (يتشاورون) عبر دخولهم لأبواب القصر مع رؤسائهم دللة علي مكانتهم المرموقة والمتميزة.
فقد حكمت المحكمة علي أحدهم بتاريخ ١٤ مارس ١٩٦٤ وفق فقرة عجيبة تقول:
(كما حكمت المحكمة بمصادرة جميع المحجوزات لفائدة الدولة.. باستثناء ما حجز عند الحسن... فيلزم إرجاعه له)!!؟
والحال.. أن هذا الشخص  وجدت بحوزته في منزله في أواخر يوليوز ١٩٦٣ علي مبالغ هامة من العملة الصعبة.. فجاء حكم المحكمة خاليا من أية متابعة له من طرف مديرية الجمارك أو مكتب الصرف، وقد أصبح المقاومون يدعون هذا الشخص فيما سيأتي من أعوام قبل وفاته.. بسيد عونه باستمرار بلقب (الحسن الثالث) وذلك بالنظر لما كان يلقاه من رعاية رسمية حتى في أسوأ الظروف.
كما كان هناك خليط من المعتقلين نزلاد دار المقري ممن حاولت أجهزة الأمن توريطهم في (مؤامرة ١٦ يوليوز ١٩٦٣).. فلا يزال الكولونيل المتقاعد عمر غاندي يتذكر حتي اليوم بمرارة كبيرة كيف كان إلي جانبه في دار المقري شخص كانوا يدعونه بالإمام.. وقد زج به هناك لأنه تجرأ وأعلن في مسجد التواركة بالرباط أمام المصلين بأنه المهدي المنتظر!! فتم اعتقاله.. وسوقه لدار المقري.. قبل أن يتعرض هو الآخر للتعذيب للاعتراف بعلاقته بـ (المتآمرين)!!؟
وإلى جانبه.. كان هناك من كانوا يدعونه بـ (الشاعر)!! وهو شخص من مراكش يعاني من خلل عقلي.. تم احضاره هو الآخر لدار المقري، وتعذيبه لعلاقته (المفترضة) بالمتآمرين!!
وعلى ذكر الخلل العقلي.. أو الإدعاء بالإصابة به داخل هذا المسلخ البشري الذي لم يكن مصنفا كسجن رسمي وقانوني يحضرني ما حكاه لي المرحوم عبد القادر الحافظي حول ما تعرض له من تعذيب بشع في دار المقري الأمر الذي دعاه لا دعاء الحمق فصار يقوم بحركات غريبة لا يقوم بها الحماق أنفسهم.. فكان الكولونيل محمد أوفقير يسقط أرضا من الضحك عندما كان الحافظي يقدم (عروضه) أمام المحققين. وذات مرة قاموا بإخراجه من باب دار المقري، قائلين له: وا غير سيد فحالك لدارك.. وأعطينا التيساع؟ وبالطبع لم يكونوا جادين وكانوا يمتحنون درجة جنونه.. لكنه أدهشهم حينما رفض المغادرة.. وصار يضرب الباب بكل قوته ويصرخ: وراه هادي هي داري.. وفاين غادي نمشي.. ورجعوني لداري.. إلخ.
ويضيف الحافظي: استطعت أن أنجح في خداعهم.. فحولوني إلى مستشفى الأمراض العقلية في برشيد.. ولكنني كدت أصاب بالجنون الحقيقي! إذ حاصرني المرضى من كل جانب، فانتهزت فرصة حضور ابني الأكبر لأؤكد له سلامتي العقلية.. وأمرته بأن يبيع بضعة أبقار لشراء سيارة (طاونوس) لأحد النافذين الكبار في الرباط كي يسمح لي بالانتقال إلى منزلي ببلدة (تيكيوين).. وهو ما حصل أخيرا.
ومن جملة (الثغرات) غير المفهومة في هذه (المؤامرة) كون الجهاز النقابي (البورصوي) بقي بكامله بعيدا عن أية اعتقالات.. رغم أن اجتماع ١٦ يوليوز ١٩٦٣ كان يقتضي حضور العشرات منهم.. بحكم أنهم أعضاء في نفس اللجنة المركزية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
لقد حاولت شخصيا مع الأستاذ المرحوم عبد الله إبراهيم ليشرح لي هذه الإشكالية.. ولكنه قال لي بأنه شخصيا كان سيكون مع المعتقلين مساء يوم ١٦ يوليوز ١٩٦٣.. ولكن البوليس منعه بكل الطرق لكي لا يحضر.. وضايقته سياراته كي يعود إلي بيته!!؟ وقد اقتنعت برأيه لأن الرجل كان عالما من حزبي معهدان يوسف بمراكش منذ ١٩٤٣.. ولا يمكن أن يقدم لك أمرا يضمر غيره.. فضلا عن تربيته الإسلامية المتجذرة وأخلاقه و؟؟ أخلاقه.
إلا أن هذه المواصفات العالية كانت لا تتوفر سوى في شخص عبد الله إبراهيم.. بينما كان هناك قادة بورصيون لم يتورعوا عن تسليط عصابة من مرتزقتهم علي المناض النقابي الهاشمي بناني بواطسة السلاسل والقضبان والعصي أوصلته إلى حافة الهلاك.. وكدا لم يتورعوا عن اعتقال المناضل عمر بنجلون في مقر البورصة وتعذيبه لعدة أيام.. ولم يتورعوا عن إبرام صفقة مشبوهة مع أحمد رضا كديرة في فندق المنصور بالدار البيضاء من أجل إفساح المجال لحزبه الجديد (الفديك)، للحصول علي أكبر نسبة من المقاعد البرلمانية.. من خلال مقاطعة الانتخابات.. إلخ من المواقف المذلة والمخزنية.. والتي لعبت دورا رئيسيا في تلفيق ما يدعى بمؤامرة ١٦ يوليوز ١٩٦٣.. ومحاولة توريط حوالي خمسة آلاف مناضل اتحادي فيها لتنظيف الساحة الوطنية كلية من كل من يستطيع مستقبلا معارضة التوجهات المخزنية الجديدة.
وبالمناسبة لمومن الديوري، فنظرا لكونه شخصية محورية في حبك هذه (المؤامرة)، فقد اجتهد الكولونيل محمد أوفقير (لن تتم ترقيته إلا بتاريخ ٢٠ غشت ١٩٦٤ إلى رتبة الجنرال)..  اجتهد في ترويض مومن الديوري ليكون هو أول شخص تبتدئ به المحاكمة (المتهم رقم ١) ليستعرض أمام القضاة والمحامين والصحافة الدولية تفاصيل وأطوار (المؤامرة).
وهكذا أخذه إلى دار المقري ليعاين مناظر همجية لأشخاص معلقين إلى السقف كالأكباش المذبوحة وآخرين يئنون من شدة ألوان التعذيب.. وأمام القبطان الصقلي المعتقل لعلاقته بالمعارضة المسلحة للنظام.. قام أوفقير ببلع حبة من عقار معين.. وباعد بين رجليه ليتوجه لهذا القبطان بسيل من الشتائم قبل أن يخرج خنجرا من جيبه ويبدأ معه مشوارا دمويا فظيعا بتقطيع إحدى أذنيه ثم انتقل لتمزيق الشفتين وهنا بلغ الألم الفظيع بالقبطان الصقلي ذروته فبصق في وجه أوفقير بكل ما اختزنته فمه من لعاب ودم بينما كانت يداه مقيدتان إلى الخلف وأرجله كذلك.
ثم قام أوفقير بغرز السكين في رقبته بعد أن جز أذنه الثانية وأنفه.. وفي هذه الأثناء أصيب مومن الديوري بحالة تقيؤ رهيبة أفرغ من إثرها كل ما في جوفه قرفا وسخطا ورعبا في ذات الوقت.
وعن جو التحقيقات الذي ساد معتقل دار المقري كتب مومن الديوري بعد ذلك بسنوات في كتابه: حقائق مغربية (.. أثناء اعتقالي عام ١٩٦٣ وما رافق ذلكم من استنطاق وتعذيب، كان الطبيب العسكري الملحق بإدارة البوليس هو القبطان بن كمون. لقد اعتقدت في البداية بأن هذا الدكتور هو إسرائيلي الجنسية، ويحمل الجنسية الفرنسية.. ولم أتأكد إلا فيما بعد بأنه كان ضابطا إسرائيليا تابعا لجهاز المخابرات (الموساد)، وقد كان حاضرا أثناء حقني من قبل الدليمي بمادة - اليانتوتال - المخدرة، كما كان حاضرا عندما كان أوفقير يصوب رشاشه إلى إبراهيم بن علي وعبد القار عفيفي، وهما عسكريان عملا في صفوف المقاومة وعلي كاتب هذه السطور، قبل يطلق وابلا من الرصاص ويرديهما قتيلين.. وقد أصبت أنا ومعي إثنان آخران بجروح خطيرة، ولن أنسى ما عشت مرأى بن كمون الإسرائيلي بعد كشفه عن إبراهيم بنعلي وهو يقول ببرودة قائل: لن يعيش أكثر من دقائق معدودات.. وكان أوفقير لا يمارس نشاطه آنذاك سوى بواسطة رشاشات - عوزي - الإسرائيلية، وهذا دليل آخر علي وجود تبادل على مستوى البوليس في مجالي الإعداد والتجهيز بين المغرب وإسرائيل)

الباحث محمد لومة