espace réservé aux écrits concernant le ROI HASSAN II

السبت، 26 يناير 2013

الحسن الثاني والشعوذة


 

الحسن الثاني والشعوذة


 

هناك جانب من شخصية الراحل الحسن الثاني استعصى فهمه على الغربيين، وهو المرتبط بتشبثه ببعض المعتقدات المطبوعة بالشعوذة.
كانت حياة الملك الراحل الحسن الثاني اليومية رفقة المقربين منه والمحيطين به وحاشيته وحريمه لا تخلو من ممارسات وتصرفات تطبعها الشعوذة بحدة. وبعيدا عن صورة الملك الماسك بزمام الأمور بيد من حديد والملك العصري المتشبع بالثقافة الغربية عموما، والفرنكفونية على وجه الخصوص، تتراءى بعض معالم الحسن الثاني الإنسان المهتم أحيانا بما يرتبط بالسحر والشعوذة وبعض الاعتقادات الخرافية.
لقد أفادنا التاريخ أن السلطة كانت دوما تستعين بالخرافة والشعوذة والسحر بموازاة مع استعمال القوة والمكر السياسي والتخطيط لدوام التمسك بزمام الحكم.
ورغم أن الراحل الحسن الثاني كان عقلانيا و"كارتيزيا" في تعامله مع الغرب وتعاطيه مع قضايا العصر والاقتصاد، فإنه في أكثر من تصرف، وعلى فترات متباعدة، أبدى أنه لا يقتصر على الاعتراف بسلطة العقل فقط، بل ثبت أكثر من مرة، أنه لجأ إلى سلطان الشعوذة والسحر، سيما بخصوص الأمور التي يعجز العقل والدهاء والتخطيط عن رسم معالم مستقبلها.
وهناك روايات كثيرة حفظتها الذاكرة الجماعية، وردت على أكثر من لسان ممن عاشوا داخل القصر أو كانوا مقربين من الملك ومطلعين على ما يجري ويدور خلف أسوار البلاط.
وقد احتار الكثير من الغربيين، خصوصا الفرنسيون منهم في تصنيف شخصية الملك الراحل الحسن الثاني بالشخصية المزدوجة إلى حد الانفصام، إذ بدا لهم أنه يفوق أي مغربي في تجسيد العصرنة والحداثة، إذ لم يكن يظهر أحد بالمغرب عصريا أكثر منه، كان يتكلم فرنسية راقية لا يتكلمها الكثير من الفرنسيين أنفسهم، كما كان مستوعبا لثقافة عصره ومعارفه، لكنه في نفس الوقت كان يبدو أحيانا محافظا أكثر من أعتى المحافظين، ومتشبثا بالتقاليد والأعراف الغارقة في القدم، التي لا يستسيغها العقل، من قبيل الإيمان بجملة من الخرافات والاعتداد بالشعوذة أو اللجوء إلى السحر.
أكثر من جهة أكدت اهتمام الملك الراحل الحسن الثاني بعوالم السحر والشعوذة الغامضة وبحثه وتنقيبه عن الفقهاء والعرافين والمنجمين والمشعوذين، الذين كان بعضهم يجتهدون في عرض خدماتهم ومهاراتهم على البلاط ورجال السلطة وأكبر المسؤولين.
إن رجال السياسة والاقتصاد والمسؤولين الكبار، يلجأون إلى خدمات السحرة في اللحظات التي يشتد فيها التنافس والصراع أو يبرز خلالها غضب الحاكم. علما أن السحر والشعوذة، ليست ظاهرة مقتصرة على المغرب والقيمين عليه، وإنما هي ظاهرة عالمية، فحتى أقوى الحكام والزعماء، عبر التاريخ، لجأوا إليه، فنابليون وهتلر على سبيل المثال لا الحصر، ذاع صيتهما في مجال الاستنجاد بالسحر والشعوذة، كما أن العين المرسومة على الدولار الأمريكي كان الغرض الأصلي منها هو درء حسد الحساد في بلد يعتبر برغماتيا وعقلانيا أكثر من غيره.

الملوك العلويون لا يعبرون واد ماسة

من المعتقدات الغريبة التي حرص الملك الراحل الحسن الثاني على احترامها عدم عبور واد ماسة، إذ ساد أن عبوره قد يكون سببا في إلحاق ضرر ما بالملك أو أحد أفراد العائلة الملكية.
حسب هذا الاعتقاد لو قام ملك علوي بعبور هذا النهر، في أي وقت من السنة، من شأن هذا الفعل أن يؤدي إلى تحريك آلية الشرور التي يمكن أن تلحق بالملك أو أسرته أو محيطه المقرب بأضرار، خلال ما تبقى من السنة التي خالف فيها الملك هذا العرف.
ومن المعلوم أن الملك الراحل الحسن الثاني لم يسبق أن عرف عنه أنه عبر واد ماسة، وفي زياراته لجنوب المغرب، حينما كان يصل الموكب الملكي إلى قنطرة واد ماسة الكائنة بالطريق الرابطة بين آيت ملول وتزنيت، يغادر الملك موكبه ليمتطي طائرة مروحية تتجه صوب البحر ومبتعدة مسافة كبيرة عن مصب النهر ثم تعود إلى اليابسة لتحط بالضفة الأخرى لواد ماسة وذلك تلافيا لعبوره، سواء كان الملك آتيا من الشمال في اتجاه الجنوب أو العكس.

"التبارود"

في بداية عهد الملك الراحل الحسن الثاني ساد اعتقاد يفيد أن جسده محمي بقوة خارقة تمنع عنه الضرر ولو باستعمال السلاح، أبيض كان أو ناريا، وذلك بفعل ما ينعت بـ "التبارود".
و"التبارود" سحر مكون من أحجبة وخليط خاص، وصفته سرية، ملك سرها القليل جدا من الفقهاء وتوارثوها فيما بينهم حرصا على عدم تداولها.
ويخضع تهييئها لمجموعة من الطقوس لا يعلم مكوناتها ومقاديرها وطريقة إعدادها إلا بعض الخاصة من الفقهاء، وينعتها الكثيرون من العلماء بنوع من أنواع السحر الأسود، علمه بحوزة أدهى السحرة.
وقد شاع في بعض الأوساط الخاصة أن "خلطة التبارود" تهيأ في إحدى ليالي شهر رمضان وفي لحظة معينة لا يعلمها إلا الراسخون في "علم الدمياطي" و"فنون" السحر الأسود. وقد قيل، من يستفيد من هذه الوصفة لا يصيبه أذى أي سلاح أبيض أو ناري (سيف، خنجر، ساطور، رصاص، قاذفة...).
وحسب العالمين بأمور السحر الأسود، إن جدوى "التبارود" ليست مرتبطة فقط بالخلطة المذكورة ووصفتها وظروف وطقوس وتوقيت إعدادها، وإنما تستوجب كذلك أحجبة وتمائم يتم إعدادها من طرف جهابدة السحر الأسود، يحملها معه المستفيد من الخلطة والمدهون بها. في حين رأى البعض الآخر، أن "التبارود" مجرد إشاعة تم بثها بين الرعية لتكريس قدسية السلطان وتقديمه كخليفة الله في أرضه، يحظى برعايته وحمايته وحفظه، وبالتالي لا داعي للتفكير في محاولة إلحاق أي أذى به أو المساس بشخصه، لأنه محصن إلاهيا روحا وبـ "التبارود" جسدا.
إلى حدود انقلابي 1971 (الصخيرات) و1972 (الهجوم على الطائرة الملكية) كان المواطن البسيط يرى في الملك شخصية فوق البشر، إلا أن هذه الصورة تغيرت بفعل ما تسرب من أحداث ونوازل كان قصر الصخيرات يوم 10 يوليوز 1971 مسرحها، إذ أقر بعض الحاضرين أنهم عاينوا الملك الراحل الحسن الثاني رافعا يديه تحت التهديد وفواهة رشاش مصوبة نحوه من طرف جندي بسيط قبل أن يتعرف عليه ليمكنه من الإفلات من الذين كانوا يبحثون عنه لتصفيته.
آنذاك فهم العديد من المغاربة البسطاء ما كان لا يخطر على بالهم من قبل، وعلم أنه يمكن اقتحام القصور الملكية وتهديد الملك، وأن هذا الأخير ليس عن منأى الأخطار المحدقة بكل بشر، سواء كان ملكا أم مجرد مواطن بسيط.
علما أن البلاط اعتمد على ثقافة شرعية تقليدية، روج لها آنذاك، تمزج بين الدين والتاريخ وتجعل الملك كائنا مقدسا، وعلى هذه النظرة تأسست كل حركات المغاربة وسكناتهم.

"البركة" والجن في خدمة الحسن الثاني

من المعتقدات التي راجت بين مغاربة الخمسينات والستينات والسبعينات، أن الملك الراحل الحسن الثاني يتوفر على نوع خاص من "البركة" تحفظه من كل سوء، وتأكد هذا الاعتقاد بعد نجاته من محاولة انقلاب الصخيرات والهجوم على الطائرة الملكية.
ارتبط هذا الاعتقاد باعتقاد آخر راج ببعض الأوساط الشعبية، مفاده أن بعض الجن كانوا في خدمة الملك الراحل الحسن الثاني، وشاع حينئذ أنه (الملك) تمكن من التحكم فيهم بفضل فطاحلة الفقهاء السوسيين المتبحرين في "الدمياطي" وتسخير الجن وبعض السحرة اليهود. وفي فترة معينة من عهد الملك الراحل ارتبط هذا الاعتقاد بالخاتم الذي يملكه والذي وصف بخاتم الحكمة.
وقد أكد أكثر من مصدر مطلع أن بعض الفقهاء كانوا يزورون القصر في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وهم نفس الفقهاء الذين كان يقصدهم علية القوم من مسؤولين ووزراء وموظفين سامين، وكان قلة من هؤلاء الفقهاء من المقربين للبلاط، وكانت لهم حظوة خاصة سيما وأن الملك يستأنس برأيهم ونصائحهم.

المسيرة الخضراء والشعوذة

قبل إعطاء انطلاقة المسيرة الخضراء في نونبر 1975، طلب الملك الراحل الحسن الثاني إحضار الفقيه الحاج محمد الحبيب إلى القصر الملكي من مقر إقامته بزاوية سيدي الزوين بضواحي مراكش، غير أن الفقيه لم يرضخ للرغبة الملكية ورفض الامتثال للأمر الملكي بدعوى أنه يفقد بركته إن هو غادر سيدي الزوين، لذلك طلب أن يأتي الملك إليه إن رغب في الاستفادة من بركته، مع التأكيد أن عليه أن يزوره دون بهرجة ولا بروتوكول.
وعلى غير عادته، قبل الملك الأمر بروح رياضية وشد الرحيل إليه دون بهرجة. وحسب أكثر من مصدر، اختلى الراحل الحسن الثاني بالفقيه الحبيب، رأسا لرأس، ولم يحضر لقائهما أحد، وخرج الملك يمسك سبحة قيل إنها تحمل بركة الفقيه، وهي ذات السبحة التي لم يفارقها الحسن الثاني إلى أن لقي ربه.
وحسب ما تسرب عن لقاء الملك الراحل بالفقيه الحاج محمد الحبيب، أن هذا الأخير قال له: "ستربح قضية الصحراء لكنها ستتسبب لك في عدة متاعب"، وحسب أهل الدين، فقد كذب الحبيب حتى ولو صادف بعضا من الصواب فيما تنبأ به.
ليست هذه المرة الوحيدة التي زار فيها الملك الراحل الحسن الثاني الفقيه الحبيب بسيدي الزوين، إذ قصده مرة أخرى قبل لقاء الرئيس الجزائري الشادلي بن جديد بحضور ملك السعودية، فهد ابن عبد العزيز، سنة 1983 بالحدود المغربية الجزائرية في أوج حرب الصحراء قبل أن يتمكن الجيش من بناء الجدار العازل.
لقد فوجئ الجميع لسفر الملك الراحل إلى مراكش قبيل توجهه إلى وجدة لمقابلة الرئيس الجزائري، وذلك للاختلاء بالفقيه الحاج محمد الحبيب بإحدى قاعات زاوية سيدي الزوين، ولم يتسرب أي خبر عن هذا اللقاء.
يقول مصطفى الغضبان، الباحث في الروحانيات، إن الحاج محمد الحبيب، المتوفى منذ سنوات، يعتبر من الشيوخ الأجلاء في المغرب، وقد ذاع صيته شرقا وغربا، لما زاره الملك الراحل الحسن الثاني لأول مرة حيث طلب منه الدعاء له لأنه رجل صالح، ومما جاء في بعض الروايات أنه قال للملك إن عليه بتلاوة الفاتحة بأعداد معينة بعد كل صلاة، حتى يستكمل العدد المحدد، إلا أن البعض ظنوا أن الرجل قد منح الملك الراحل شيئا يتحرز به أو يمكنه من القيام بخوارق، وادعوا أن السبحة التي كانت دائما بيده قد أعطاه إياها الفقيه.
والحاج محمد الحبيب - حسب مصطفى الغضبان - عالم وتقي، يدعو للناس بالخير وقد تخرج على يديه شيوخ كبار، وقبل وفاته قصده الكثير من الشخصيات المرموقة طمعا في أشياء أخرى، من قبيل أن يكون معهم خادم من الجن يلبي طلباتهم.
يعتبر الكثيرون أن مدرسة سيدي الزوين، التابعة للضريح الذي يحمل نفس الاسم (يقع الضريح ضواحي مدينة مراكش)، من بين المدارس التي يزخر بها الموروث الديني والحضاري بالمغرب، اعتبارا للدور الريادي الذي لعبته في نشر العلم والمعرفة مند تأسيسها من طرف الشيخ محمد الزيداني بن علي الزيراري النخلي العمري الملقب ب"الزوين"، في عهد السلطان الحسن الأول .
حظي الضريح بعناية فائقة من طرف جميع ملوك الدولة العلوية، ابتداء من السلطان مولاي الحسن الأول، الذي تأسست في عهده المدرسة، كما نالت عناية خاصة من طرف الحسن الثاني، التي زارها يوم 22 ماي 1991.
يقول بعض المطلعين على أسرار الضريح أن الملك الراحل أمر خلال هذه الزيارة بأن يتلى القرآن الكريم في المدرسة طيلة الأربع والعشرين ساعة بدون انقطاع، لكن الحسن الثاني وحده من يملك الجواب عن سر هذا القرار.
أما أغلب المترددين على مدرسة سيدي الزوين من الطلبة فينحدرون من سوس، وأكثر من ذلك يضيف مصدر مطلع، فقد تخرج منها عدد كبير من حفظة القرآن الكريم، إلى جانب فقهاء سوسيين، بينهم من احترف مهنة كتابة التمائم والدجل.

مصادفة العيد الديني ليوم الجمعة

ظل القصر الملكي في عهد الملك الراحل الحسن الثاني يتشاءم من تزامن أي عيد ديني (سيما عيد الفطر) مع يوم الجمعة، إذ ساد اعتقاد مفاده، كلما صادف عيد الفطر وعيد الأضحى يوم الجمعة (عيد المؤمنين) يعتبر ذلك علامة على أن البلاط أو العائلة الملكية سيصاب بمكروه ما، من قبيل وفاة أحد أفراده مثلا أو أن يلحقه ضرر ما.
وفي هذا الصدد تناسلت بعض الإشاعات والحكايات، منها أن المراقبين للهلال كانوا أحيانا يأخذون بعين الاعتبار هذا الاعتقاد ويحرصون على عدم السقوط في شركه، وبذلك يجتهدون اجتهادا لتجنب تكليفهم برؤية الهلال حين يكون من المتوقع مصادفته ليوم الجمعة مع حلول عيد ديني.
وقد حدث أن شاعت بعض الانتقادات في إحدى السنوات بخصوص تلاعب بعض المتلاعبين في الإقرار برؤية هلال عيد الفطر.

أماكن مسحورة

تناسلت، في عهد الحسن الثاني، حكايات وأساطير بخصوص بعض الأماكن والبنايات، سيما القصور والمساجد والأضرحة، فقيل إن بعض القصور مسكونة من طرف الجن وأخرى مغضوب عليها، وبعض الأركان والقاعات داخل بعض القصور الملكية يتطلب تنظيفها يوميا بماء الورد وتعطيرها بالمسك الحر وإلا تبعثر أثاثها بفعل قوة خفية، كما قيل إن هناك أماكن لا يلجها أحد غير الملك، وإذا دخلها غيره مسه مكروه لأن حراسها ليسوا من الإنس.
وقد تكون نقطة الانطلاق في نسج مثل هذه الحكايات، حسب أحد علماء النفس، الهالة التي تعطى لتلك البنايات أو أحداث وقعت بها يتم فصلها عن سياقها وإطارها العام.
وفي هذا الصدد، على سبيل المثال لا الحصر، هناك بعض الحكايات المنسوجة بخصوص مسجد وصومعة الكتبية التي تطلبت خلط أكثر من 900 كيلو غرام من المسك الحر مع مواد البناء لتظل رائحتها الزكية فواحة، وكان هذا منطلقا للكثير من الأساطير، وكذلك الأمر بالنسبة لجامع المنصور بمراكش الذي نعت بمسجد "التفاحات الذهبية" نظرا لأن مصابيحه الأصلية صنعت من الحلي الذهبية لزوجة يعقوب المنصور.
أما بخصوص قصر أكادير، كانت الانطلاقة لنسج إشاعات بخصوصه قد تزامنت مع بعض الأحداث عندما كان ورشا في طور التشييد، ومنها نازلة غرق بعض العمال في مسبحه وحوادث شغل أخرى غريبة أودت بحياة بعض العاملين في النقش.

الاستنجاد بالفقهاء لإبعاد خطر محدق

في غضون سنة 1988 اتجه فريق من الفقهاء والمقرئين و"المداحين" إلى شاطئ مدينة الجديدة واعتكفوا هناك صباح مساء يتلون القرآن الكريم ويقرأون الأذكار ويتضرعون إلى الله بالدعوات، طالبين اللطف والنجاة من كرب عظيم محدق بالبلاد والعباد لحظتئذ.
آنذاك كانت الرياح وأمواج المحيط الأطلسي تتلاعب بآلاف الأطنان من النفط العائمة والتي كانت قد تدفقت من حاملة البترول الإيرانية "خراج" التي غرقت في عرض المحيط الأطلسي وهي في طريقها إلى إحدى دول أمريكا اللاتينية، مسببة إحدى أكبر الكوارث البيئية البحرية في التاريخ.
في البداية كان النفط العائم يسير في اتجاه الشواطئ المغربية، وبدأت وقتئذ المساعدات الأجنبية تتقاطر على الرباط، وخصصت المملكة السعودية 50 مليون دولار (500 مليون درهم) لدعم المغرب في مواجهته لهذه الكارثة المحدقة التي ولدت الهلع العظيمم في نفوس القيمين على الأمور، سيما وأن بلادنا لم يسبق لها أن واجهت مثل هذه الكارثة ولا تتوفر على أي خبرة أو استعداد لمثل هذه الأمور.
لكن بعد أيام قليلة غير النفط العائم اتجاهه وبدأ يبتعد عن مياهنا الإقليمية، آنذاك تناسلت عدة إشاعات مفادها أن بلادنا نجت من الكارثة المحققة بفعل السحر أو الجن الذي يتحكم فيه بعض الفقهاء السوسيين، في حين قال أحد المثقفين المرموقين المحسوبين على اليسار، وقتئذ، "إن ما وقع بشاطئ مدينة الجديدة من تجميع الفقهاء وجمهرتهم والضجة المرافقة والصخب الذي أحيط بهذا الحادث، كان من صنع دهاء الملك الحسن الثاني حينما علم، عن طريق الأرصاد الجوية، أن رياحا قوية ستهب بالمنطقة في اتجاه يبعد النفط العائم عن المياه الإقليمية المغربية، فاستبق الأحداث وأمر على وجه السرعة بجمع الفقهاء بشواطئ مدينة الجديدة لترسيخ "بركته" في عقول المغاربة، علما أن الكثير منهم يقرون أن قوى خارقة تحفظ الحسن الثاني وتقف بجانبه.
وقد تكرر نفس السيناريو، حسب أحد المصادر، في سنة ابتلي خلالها المغرب بجفاف حاد، وأمر الملك الراحل بإقامة صلاة الاستسقاء في مختلف أنحاء المملكة وعلى نطاق واسع لطلب الغيث، آنذاك كانت مصالح الأرصاد الجوية قد رصدت قدوم سحب كثيفة في اتجاه المغرب.

الشعوذة والأسطورة والسلطة

كاد المؤرخون أن يجمعوا على أن الشعوذة والأسطورة والإشاعة تعتبر إحدى أسلحة الصراع من أجل السلطة بمعناها العام، وبالأحرى السلطة السياسية.
وفي هذا الصدد يعتبر المؤرخ مصطفى بوعزيز أن الإشاعة أو الأسطورة أو الحكايات المتناسلة بفعل الشعوذة، تعتبر سلاحا لكونها جزء من العلاقات الاجتماعية،، وكل علاقة اجتماعية هي شكل من أشكال علاقات السلطة، ومن هذا الجانب، تعد نوعا من أنواع أسلحة الصراع من أجل الحصول على السلطة أو استمرار التمسك بها. وذلك فضلا عن كونها أداة من أدوات التواصل الذي يشكل عنصرا من عناصر خلق وتكريس الجانب الكاريزمي للماسك بزمام السلطة، وبالتالي سبيل من سبل تدعيم النفوذ أو سلطة أو وسيلة لتحطيمها وتشويهها.
فالملك يعيش واقعا سوسيولوجيا وثقافيا وظرفيات معينة وقد يصادف عهد ملك تناسل حكايات منطلقها شعوذة ومجرد اختلاق، وقد تكون لصالحه أو ضده، إذ ليس من الضروري أن يكون المنطلق من السلطان لخدمة السلطان، فقد يكون من خارج دائرة البلاط بنية الإساءة، وقد يكون المنطلق من الدوائر المقربة من الملك لتحقيق هدف ما.
وانطلاقا من علاقة الملك الراحل الحسن الثاني ببعض الفقهاء وتعاطيه لبعض الممارسات المرتبطة بالفكر الغيبي والشعوذة تناسلت حكايات وإشاعات، تفاوت التعاطي معها حسب المتلقي، والكثير من تلك الحكايات ساهمت في تقوية هيبة الملك، غير أنه منذ أواخر سبعينات القرن الماضي تغيرت صورة المؤسسة الملكية، سيما بعد الانقلابين واحتداد الحركات الاجتماعية.
وقد عرف عن الملك الراحل الحسن الثاني ولعه بكتاب "الأمير" لماكيافيل الذي يعطي نصائح تتمحور حول تمكين الحاكم من أساليب تمنحه النفوذ على رعيته، ومن ضمن النصائح الواردة في هذا المؤلف العزيز على الملك الراحل، حسب أكثر من مصدر مطلع، نصائح التوهيم ونصائح الاستدراج، وفي هذا المضمار يقر المؤرخ مصطفى بوعزيز أنه ثبت في مراحل ما قبل الحداثة، أن كانت الإشاعة والحكايات المنسوجة استنادا إلى الشعوذة أداة من أدوات إدارة وتدبير الشأن العام

فضائح خالات الملك



الملف المنشور في العدد 191 بتاريخ 27 نونبر 2008
تربعت على سطح الأحداث مؤخرا عدة تجاوزات واعتداءات "غبية"أثارت حفيظة الرأي العام الوطني، لارتباط أبطالها بشخصيات تنتمي إلى محيط القصر الملكي، كان أبرزها إطلاق "حسن اليعقوبي"، زوج الأميرة لالة عائشة، عمة العاهل المغربي الملك محمد السادس، النار على شرطي المرور "طارق محب" في الشارع العام، حيث تعالت موجة الاستنكارات منددة بالتعاطي السلبي للسلطات المعنية، الأمنية والقضائية مع الحادث، وكذا بعدم قيام الشرطة القضائية والنيابة العامة بواجبهما في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بالاستماع إلى المتهم، رغم خطورة الاعتداء واستعمال السلاح فيه. وقد كثر الجدل حول ظروف وملابسات هذه القضية نظرا لارتباطها بنفوذ "عمة الملك"، لدرجة وقفت أمامها جميع الأجهزة الرسمية القضائية والإدارية، عاجزة عن القيام بواجبها الوطني في إقرار الحق والانتصار له، الأمر الذي فتح قوسين عريضين حول تدخل هذه الأجهزة لحماية الموطنين العاديين من حماقات ذوي المراكز الحساسة في هرم الدولة والمقربين من القصر.
على نفس الوتيرة من الرعب والخوف وعلى وقع النار والحديد تعيش منطقة الأطلس المتوسط، يوميا حالات مماثلة من الاعتداءات الوحشية، مع فارق بسيط جدا ويتحدد في كون النازلة الأولى ارتبطت بزوج "عمة الملك"، فيما ارتبطت الأخريات بعروس الأطلس مدينة خنيفرة بزوج "خالة الملك "، إضافة إلى مشاهد أخرى لا تقل وحشية عن سابقاتها ارتبطت شخصيا بـ"خالات الملك" أمينة وحفصة أمحزون أخوات " لالة لطيفة حمو" أرملة الراحل الحسن الثاني ووالدة الأميرات، لالة مريم، لالة أسماء، لالة حسناء، وأم الملك محمد السادس والأمير مولاي رشيد).
وتنحدر" لالة لطيفة" وأخواتها من منطقة زايان الأمازيغية بوسط المملكة المغربية، وهن بنات أحد كبار شيوخ قبيلة زايان، والمعروف أن لطيفة أخت أمينة وحفصة ولدت باسم "فاطمة حمو" لكنها دُعيت لطيفة (تجنبا للخلط مع الزوجة الأولى للراحل الحسن الثاني وهي " لالة فاطمة بنت القائد أمهروق").
ومعلوم أن "عائلة لالة لطيفة"، معروفة بـ"عائلة أمحزون" التي يتمركز أفرادها بمنطقة الأطلس المتوسط، وتحديدا بعروس الأطلس مدينة "خنيفرة".
"المشعل" انتقلت إلى عين المكان، تأسيسا على خيط تواصل مسترسل ظل مفتوحا باستمرار مع جملة من ضحايا "عائلة أمحزون"، حيث ربطت اتصالا مباشرا بالضحايا المتضررين من بطش أفراد من هذه العائلة ووقفت على حجم الضرر بالصوت والصورة.
هذه الأحداث قد يبدو للبعض بسيطة في ظاهرها، قياسا مع الحجم الحقيقي للخروقات التي اقترفتها وتقترفها عناصر من هذه العائلة، لكنها تحفر عميقا في الجوهر لارتباط جزء مهم فيها بالكرامة والشرف، كأن يتجرأ أصهار الحسن الثاني وأقرباء محمد السادس من أمه، على سلب الزوجات من أزواجهن تحت تهديد السلاح ـ حسب تصريح لرئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بخنيفرة ـ إضافة إلى مشاهد أخرى لخروقات أكثر إثارة، لم ننشرها ضمن هذا الغلاف احتراما منا لرغبة ضحايا ما زال الخوف يسري في عروقهم مجرى الدم، وأحداث مماثلة تحمل أشكالا متعددة للوحشية، لم ننشرها هي الأخرى لعدم توفر الإثباتات الكافية، علما أنها على مجرى ألسنة الشارع الخنيفري.
إثر نزاعها حول الترامي على ملك الغير
وكيل الملك يعتقل مواطنا خوفا من تهديدات "حفصة أمحزون" بقتله أمام مركز الدرك
كثيرة هي سلسلة التجاوزات والفضائح التي تتصل خيوط دائرتها بأفراد عائلة "أمحزون"، والأشخاص الذين يدورون في فلكهم، حيث لا حديث يجري بأركان زوايا وفضاءات "عروس الأطلس" خنيفرة، دون أن يكون لفرد من هذه العائلة دور البطولة فيه، فيما تتوزع باقي الأدوار، الثانوية منها خصوصا، على شلة من الأتباع والمتملقين، ممن يحلقون تحت أجنحة هذه العائلة، علما أن أبطال "أمحزون" يتوفرون على مواهب خارقة في حبك خيوط الجريمة والتأسيس لها بناء على قوة النفوذ و ممارسة السلطان، والقدرة على اللعب فوق أسلاك القانون، والعزف أيضا على كل الحبال خارج المساءلة الجنائية، ونظرا لتعدد وتنوع مواهبهم تجدهم "يبدعون" بأساليب متنوعة في ميادين شتى.
ففي مجالات الرعي سجل بعضهم أرقاما قياسية في التسلل تحت ظلمة الليل لسرقة " الدواجن والأغنام"، ومنهم من حقق حضورا متميزا وقويا في نفس الميدان ، حيث مكنته مواهبه الجريئة من السطو على "قطعان الماشية" من تحت سقوف منازل أصحابها، على الطريقة الهوليودية في تصوير "أفلام الويستيرن" رعاة البقر.
وفي مجالات النصب والاحتيال سجلت عناصر أخرى من نفس العائلة، تقدما ملموسا في الرفع من عدد ضحاياها، كما أبدعت أيضا في نفخ المبالغ المالية المرتبطة بعمليات نصبها على المواطنين البسطاء، محققة بذلك شهرة "شوهه"واسعة، تسللت رواياتها ولاكتها ألسن المواطنين على امتداد ربوع المملكة. خاصة أن نشاطها في النصب شمل ميادين حساسة، بدءا من وزارة الداخلية بمختلف أجهزتها الأمنية، وفي مقدمتها الإدارة العامة للأمن الوطني، وصولا إلى مؤسسة الجيش وأسلاك البحرية الملكية.
وفي مجالات الفلاحة تفننت شخصيات من العائلة ذاتها، في السطو على الأراضي وسلبها من أصحابها بشتى الطرق ومختلف الوسائل، تحت طائلة التهديد باللجوء إلى القضاء، وكذا برمي الضحايا في أقبية السجون بالقوة، وضدا على فصول القانون المغربي، كما هو الحال بالنسبة للفلاح حسن النوري (62 سنة)، الذي حاولت خالة الملك "حفصة أمحزون" استغلال قربها من القصر، للترامي على أرضه المسماة "تاغالفت" بطرق ملتوية وحقيرة للغاية، ولما دافع الفلاح عن أرضه، طاردته "حفصة" بسيارتها "رباعية الدفع"، فيما يشبه المطاردات البوليسية، في مشهد واضح من مشاهد الترعيب، وشكل من أشكال الترهيب حاولت من خلالهما "أمحزون"، تخويف ضحيتها وإجباره على التخلي عن أرضه المحاذية لأرضها.
بعد تدخل عناصر من الدرك الملكي بمركز"مريرت"، تم اعتقال الضحية ووضعه تحت الحراسة النظرية من طرف النيابة العامة، بناء على تهديد صريح من خالة الملك "حفصة أمحزون" لرجال الدرك، بأنها ستعمد إلى قتل "حسن النوري"، إذا ما تم إخلاء سبيله من قبل الضابطة القضائية، وتأكيدا لذلك نسوغ "فقرة" من محضر الدرك الملكي بمركز "مريرت" بخنيفرة، تحت رقم 234 (إن المشتكية " حفصة أمحزون" اعتصمت أمام باب مركزنا مطالبة باعتقال المشتكى به "حسن النوري"، وفي حالة خروجه سوف تقوم بقتله، وأمام هذا الوضع اتصلنا من جديد بالأستاذ خالد لشهب نائب وكيل الملك لدى مركزية مريرت فأصدر إلينا تعليماته بإبقاء المشتكى به بالمركز لتفادي أي مكروه)، مما يؤكد بكل وضوح أن قوة النفوذ وهيمنته قد تُجبر بعض المترتبين في سلك القضاء على اتخاذ قرارات خارج القانون، إرضاء لأمزجة هؤلاء "النافذين" في هرم المملكة، ولنا في "حفصة" نموذج حي يمكن القياس عليه في العديد من الحالات ذهب ضحيتها مواطنون بسطاء، لا لشيء سوى لأنهم دافعوا عن حقوقهم المشروعة أو رفضوا الخنوع للرغبات المجنونة لبعض "الواصلين".
هكذا تم اعتقال المواطن "النوري" بمخفر مركز الدرك الملكي بـ"مريرت"، مدة يومين تحت الحراسة النظرية، طبقا للمادة 80 من قانون المسطرة الجنائية، علما أن أمر الاعتقال جاء بناء على رغبة "حفصة أمحزون" وليس تنفيذا للقانون من قبل حراس العدالة وجنود سليمان القائمين على حماية حقوق المواطنين.
تناسلت خيوط هذه القضية وتداعياتها لما ضبط "حسن النوري" ذات يوم أحد أتباع "حفصة أمحزون"، متسللا ناحية "زريبة الماشية" وقد شرع في رسم معالم جديدة لشق طريق بها، بهدف تغيير ملامح حدودها، وهو الأمر الذي تدخل بموجبه "النوري" لمنعه من مواصلة فعلته في توسيع حدود مُشغلته "حفصة" على حساب أرضه، حيث أمسك بتلابيبه وأخرجه بعيدا عن حدود ملكيته، منبها إياه بعدم تكرار نفس الفعل.
إلا أن "الرباع" المدفوع من قبل "خالة الملك"، والمدعو"موحى بوسعيدي"، ورغبة منه في التصعيد لغرض في نفس مُشغلته، تقدم إلى مصالح الدرك الملكي بـ مريرت" بضواحي خنيفرة، بشكاية ضد "حسن" يتهمه فيها بـ " الضرب والجرح".
بناء على المعطيات السابقة تحركت شهية "حفصة" لحماية خادمها "بوسعيدي" من جهة، وطمعا في السطو على أرض المعني بالأمر من زاوية أخرى، وكذلك كان.
عمدت "خالة الملك" ـ حسب شهود عيان ـ إلى مضايقة ضحيتها "النوري" وهو بالمناسبة من مواليد مُستهل عام 1946، وذلك بافتعالها زوبعة من المشاكل لا أساس لها من الصحة، بهدف الترهيب والترعيب ليس إلا. فما كان من أمرها إلا أن تقدمت لوكيل الملك بابتدائية خنيفرة، بشكاية تتهم فيها حسن النوري بـ"الاعتداء الشنيع عليها بالضرب والجرح المُبرح، وتوجيه كلام فاحش يمس كرامة زوجها، والترامي على أملاك الغير بدون أي موجب شرعي".
مباشرة بعد ذلك استمرت في مطاردة "النوري" على طريقتها العنترية، وحسب تصريح لهذا الأخير مُثبت في محضر الضابطة القضائية رقم 237 بسرية الدرك الملكي بخنيفرة (بخصوص الترامي على ملك الغير، فكما سبق لي وأن صرحت فإن البقعة الأرضية موضوع النزاع فهي في ملكي والمشتكية "حفصة أمحزون" أرادت الترامي عليها، حيث رفعت ضدي شكاية لدى المحكمة الابتدائية بخنيفرة، ولم يتوقف الحد عند ذلك بل لاحقتني يومه 28/01/2007 حوالي الساعة الخامسة والنصف مساء بسيارتها من مدينة خنيفرة إلى مدينة "مريرت"، وتحديدا بالقرب من محطة البنزين إفريقيا، حيث كانت دورية تابعة للدرك الملكي واقفة بعين المكان، فطلبت مني التوقف قصد التوجه إلى المكتب بالمركز كونها رفعت شكاية ضدي، لأفاجأ بـ"حفصة" وهي تتوجه نحوي، ودون سابق إنذار قامت بفتح باب سيارتي بقوة، مما دفعني إلى إغلاقه تفاديا لأية مواجهة، خاصة وأنها كانت في حالة قصوى من الهيجان، وقد تبادلنا السب والشتم، وعندما كنت أغلق باب سيارتي، من المحتمل أن يكون الباب قد أمسك بأصبعها، علما أنني لم أعتد عليها ولم أقُم بضربها كما تدعي. ومن المُحتمل أن الجرح الذي على أصبعها، ناتج عن إغلاق باب سيارتي عندما حاولت هي الاعتداء علي.)
الغريب في فصول هذه القضية أن "حفصة" قدمت شكايتها أمام العدالة، دون أن تترك لهذه الأخيرة فرصة القيام بواجبها في ضبط المشتكى بهم إذا ما رأت ضرورة لذلك، إنما شرعت شخصيا في مباشرة عملية إلقاء القبض على خصومها، ومن ثم انطلقت بسيارتها "رباعية الدفع" تلاحق "النوري"، والأغرب من ذلك أن هذا الفعل مُدون في أولى فقرات محضر سرية الدرك الملكي بخنيفرة، ونسُوقُها كما ورد ت حرفيا (بينما كنا نتواجد بملتقى الطريق الوطنية رقم 8 والإقليمية 7304، لاحظنا المشتكية "حفصة أمحزون" تلاحق المشتكى به "حسن النوري" على متن سيارتها، حيث كان هو الآخر على متن سيارته من نوع "ستروين برلينكو" فقمنا بإيقافهما، حيث طلبنا من المشتكى به الإدلاء بهويته للتأكد من صحتها، فوقع آنذاك خصام بينهما تبادلا من خلاله السب والشتم، ولما وصل الأمر إلى الاشتباك بالأيدي اضطررنا إلى التدخل، وطلبنا منهما مرافقتنا إلى مكتب مركزنا، وذلك تفاديا لأي مكروه، وعند وصولنا إلى المكتب على الساعة السادسة مساء فتحنا تحقيقا في الموضوع حيث استمعنا إلى " النوري حسن".)
وبعد بحث دقيق في تفاصيل كل الجوانب المرتبطة بالشكاية التي رفعتها "حفصة" ضد "النوري"، تم استدعاء الشخوص الذين تعاقبوا على ملكية الأرض المتنازع حولها، وهم على التوالي (نوري عباس البائع الأول للأرض، الداودي مولاي هاشم المشتري الأول، عبد الرحمان البوعزاوي المشتري الثاني، حيث تم الاستماع إلى إفاداتهم في الموضوع، وبعد ذلك تم الاستماع أيضا للشهود من أصحاب الضيعات المجاورة للطرفين، وصولا إلى المعاينة الميدانية، حيث تأكد حسب المحضر الرسمي للدرك الملكي أن ( عند وصولنا إلى البقعة الأرضية موضوع النزاع حيث وجدنا الحدود في مكانها الأصلي، لم تتعرض للإتلاف ما عدا جزء من الجهة الجنوبية يقدر بمترين طولا، وعرضا بمتر واحد، في حين أن الحدود التي تطالب بها المشتكية فهي غير موجودة.)
مما حذا بمحكمة خنيفرة إلى الاقتناع بافتراءات خالة الملك على جارها الفلاح، طمعا في الإستحواذ على بقعته الأرضية، واكتفت العدالة بمتابعة "النوري" في النقط المرتبطة بالضرب والجرح المبرح، والسب والقذف).
بعد نجاحه في الإيقاع بالعديد من الضحايا في فخه
ابن خالة الملك محمد السادس يتاجر في مناصب شغل وهمية
في مستهل سنة 2006، تنكر أحد رجال التعليم بمنطقة خنيفرة، المدعو"والخباز علي"، في جلباب "وسيط" من العيار الثقيل في الأعمال الاجتماعية، مُتجولا بين الناس يُروج للقدرات الهائلة التي يملكها صهره "جاهد" أحد أبناء "حفصة أمحزون" خالة الملك محمد السادس، في توفير مناصب شغل بمختلف الإدارات العمومية، بحكم انحداره من عائلة عريقة تستمد قوتها من علاقتها بالعائلة الملكية العلوية الشريفة، ملمحا إلى النفوذ الواسع الذي تتمتع به هذه العائلة داخل المملكة المغربية، وكان "الوسيط" يروج لنفوذ وسلطان "عائلة أمحزون" لأغراض دنيئة في نفسه.
بالنظر إلى الحجم الصغير لمدينة خنيفرة "عروس الأطلس المتوسط"، تدحرجت الإشاعة على ألسنة الناس بسرعة خاطفة وذابت بينهم كالملح في الماء، وأصبحت بحكم تدني مستوى الوعي بالمنطقة أشبه ما تكون بالروايات التي يتناقلها الركبان، فذاع صيت القدرات الخارقة لـ" جاهد" ابن خالة الملك، ومؤهلاته العملاقة في توظيف العاطلين وإنقاذهم من براثن البطالة ودروب الفقر والتهميش.
هذه الصورة الوردية التي روج لها "الوسيط" صهر ابن خالة الملك، أسالت لُعاب الكثير من أبناء المدينة والضواحي ودفعت بهم إلى البحث عن الخيوط المؤدية إلى عرين هذا "الفارس" الأبيض الذي سيحول جحيمهم إلى فردوس، وبطالتهم إلى وظائف محترمة تمنع عنهم شر العطالة وقصر اليد، كما سيحول قلة حيلتهم إلى قوة تمكنهم من مواجهة قساوة الحياة، وهكذا تناسلت الطلبات وتنوعت مطامع الراغبين في الاستفادة من مؤهلات هذا"الفارس"، مما سهل مأمورية "الوسيط" في تحين الفرص السمينة، وعرضها على الرأس المدبرة لتنظر في شأنها وتحدد القيمة المالية لأتعابها.
هكذا كانت البداية، ومن ثم عجت سماء الوسيط "علي" بالضحايا، ممن يرغبون في الحصول على مناصب شغل محترمة وغيرها من الخدمات المختلفة والمتعددة، فما كان من أمره ـ حسب مصادر مطلعة ـ إلا أن أضحى يُوهم المواطنين أو بالأحرى الضحايا، بالعلاقة المباشرة لصهره "جاهد" بالقصر الملكي، ويده الطويلة داخل أجهزة الأمن، ونفوذه القوي في الإدارة العامة للأمن الوطني، وكذا بالبحرية الملكية.
ومن أبرز حالات النصب التي عرفتها مدينة خنيفرة في هذا المنحى، على يد هذا الوسيط وصهره ابن "حفصة أمحزون"، اللذين لازالا يتحركان بحرية مطلقة بالمدينة والضواحي:
1)السيد "بوستى عبد الكبير" نصب عليه في مبلغ "أربعون ألف درهم" (40.000)، مقابل نجاح ابنه بوستى عبد الله (حاصل على شهادة الباكالوريا) في مباراة مفتشي الشرطة.
2)السيد البكباش موحى وإبراهيم نصب عليه في مبلغ "ثمانون ألف درهم" (80.000) مقابل نجاح كل من ابنيه البكباش عبد الغاني و محمد (حاصلين على الإجازة)، في مباراة "ضباط شرطة".
3)السيد سلاك امحمد اتفقت معه "فاطمة" زوجة "والخبار علي"، بعد مفاوضات مارطونية على مبلغ "أربعون ألف درهم" (40.000)، مقابل نجاح أخيه سلاك بناصر (غير حاصل على شهادة الباكالوريا) في مباراة "مفتشي الشرطة"، كما تم الاتفاق أيضا على مبلغ خمسة آلاف درهم (5000)، مقابل استخلاص "شهادة الباكالوريا" لفائدته نظرا لضرورتها ضمن شروط اجتيازالمباراة.
4)السيد "آوجوج محمد" نصب عليه في مبلغ "ثمانية وثلاثون" ألف درهم (38.000) مقابل نجاح أخيه "آوجوج علي" (حاصل على شهادة الباكالوريا)، في مباراة ضباط الصف الخاصة بالبحرية الملكية.
5)السيد "المنصوري علي" سلب منه مبلغ "أربعون ألف درهم" (40.000) مقابل نجاح ابنه "المنصوري عزيز" (غير حاصل على شهادة الباكالوريا)، في مباراة "مفتشي الشرطة"، كما تم الاتفاق على مبلغ "خمسة آلاف درهم" (5.000) مقابل استخلاص شهادة الباكالوريا لفائدته.
وارتباطا بالموضوع نُدرج ضمن هذه الورقة شهادة حية لـ "عبد الغاني البكباش"، أحد الضحايا الذين طالتهم آلة النصب باسم "ابن حفصة" خالة ملك البلاد، والتي ما تزال مسلطة سيفها على رقاب ساكنة مدينة خنيفرة وضواحيها، تحصد الضحايا على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم الدراسية ومراكزهم الاجتماعية، خاصة وأن أبواب العدالة توصد في وجه كل من سقط صريع مصيدة "عائلة أمحزون".
البكاش أحد ضحايا ابن خالة الملك
سلبنا أكثر من 30 مليون وأوهمنا بولوج أسلاك الشرطة دون اجتياز المباراة
فوجئنا مطلع عام 2006 بأحد الوسطاء المحترفين في عمليات النصب والاحتيال، يتسلل بين المواطنين بمدينة خنيفرة، في عمليات بحث دؤوب عن ضحايا جُدد يضيف أسماءَهم إلى أجندته المملوءة عن آخرها بالضحايا، ممن وقعوا في شراك نصبه وسيناريوهاته المفبركة. ويتعلق الأمر بالمدعو (والخباز علي)، المنتمي إلى "أسرة التعليم"، وهو بالمناسبة صهر المسمى "جاهد"، هذا الأخير تربطه آصرة قرابة بملك البلاد محمد السادس، وبالقصر الملكي على اعتبار أن أم الملك (لطيفة أمحزون) هي خالته. وهي الصفة التي دللت العقبات أمامه في الإيقاع بضحاياه عن طريق إقناعهم بأن سلطة نفوذه وسلطانه، بحكم قربه من البلاط الملكي، تصنع المعجزات وتُحول المستحيل إلى ممكن في مملكة محمد السادس.
في إطار نفس المأمورية تمكن المدعو "علي" من إقناعنا نحن خمسة من شباب منطقة خنيفرة، بالتدخل من أجل تمكيننا من وظائف بسلاليم الشرطة والبحرية الملكية، ولما تطور الأمر بيننا وتكثفت اللقاءات بالوسيط للتوافق حول المبالغ المالية التي سندفعها مقابل الخدمة إياها، حدد لنا الوسيط "علي" موعدا مع الرأس المدبرة للعملية برمتها وهو "جاهد" ابن خالة الملك، من أجل الشروع في تنفيذ الوعود التي ما فتئ يمهد لها صهره (والخباز علي). فعلا التقينا بجاهد الذي أكد لنا من جانبه أن له يدا طويلة جدا في مصالح الشرطة والبحرية الملكية وفي كل الإدارات داخل المملكة المغربية. مشيرا في الوقت ذاته أن بإمكانه إدماجنا في سلك الشرطة برتبة "ضابط"، بالنسبة لي ولأخي بحكم أننا حاصلون على "شهادة الإجازة"، دون المشاركة في المباراة الرسمية المخصصة لولوج أسلاك البوليس بالمملكة، وذلك مقابل مبلغ مالي حدده "جاهد" في (80.000) درهم بالنسبة لنا نحن الاثنين، وكان قد وعد في نفس اللقاء ضحية أخرى لم تكن تتوفر على "شهادة الباكلوريا" بإمكانية الحصول على هذه الشهادة مقابل إضافة 5000 درهم لاستخلاص ذات الشهادة، إضافة إلى 40.000 درهم المتفق عليها مسبقا ليصبح المبلغ 45.000 درهم. وكذلك الأمر بالنسبة لضحية أخرى كانت متواجدة معنا حيث وعده "جاهد" بإدماجه في أسلاك الشرطة المغربية برتبة "مفتش شرطة" مقابل 45.000 درهم. وآخر وعد بإدراجه في سلك البحرية الملكية مقابل 40.000 درهم.
وبعد انتهاء اللقاء حدد لنا "جاهد" موعدا آخر لتسليم المبالغ المتفق عليها، وبناء على المعطيات المتوفرة لدينا حول قرب "جاهد" من محيط القصر الملكي، وسلطانه الواسع النفوذ بمنطقة خنيفرة، لم نفكر ولو للحظة أننا سنتعرض لعملية نصب، كما لم تراودنا أيضا أية شكوك في أمره، الشيء الذي دفعنا إلى الوثوق بكلامه، وتصديق وعوده خاصة وأن رياح البطالة والعطالة قد أخذت منا مأخذها، فما كان من أمرنا إلا أن سلمناه المبالغ المذكورة، بالمقابل أمدّنا خمسة أظرفة تحتوي على استدعاءات، كل حسب الجهة التي وُعد بالتدرج بين أسلاكها، على أساس أن نتوجه جميعنا مباشرة إلى "المعهد الملكي للشرطة"، حيث سيكون نقطة تلاقينا مع "ابن خالة الملك"، حسب الخطة التي رسمها لنا هو شخصيا بإتقان، أو بالأحرى الشرك الذي نصبه لنا عن سبق إصرار وترصد.
توجهنا يوم 27/09/2006 جميعا إلى "المعهد الملكي للشرطة" على أمل أن يلتحق بنا "جاهد" حسب الاتفاق، لإتمام مهمته وترجمة أقواله إلى أفعال، بإلحاقنا مباشرة بصفوف الشرطة، إضافة إلى أنه وعدنا بالحضور إلى عين المكان صحبة أحد "الكولونيلات"، للأسف لم يأت لا "ابن حفصة أمحزون" ولا "الكولونيل"، فوقفنا النهار بطوله لا نلوي على شيء.
ومع ذلك حاولنا من موقعنا مرارا ربط الاتصال به عبر هاتفه المحمول، إلا أن العلبة الصوتية كانت تنوب عنه في الإجابة على اتصالاتنا التي فاقت العشرة، نفس الأمر بالنسبة لهاتف (والخباز علي).
انتقلنا مباشرة إلى منطقة "أكلموس" فلم نجد أي مخاطب هناك، حيث هرعنا على التوّ في اتجاه الوسيط (والخباز علي)، إلا أن هذا الأخير تبرأ نهائيا من "جاهد"، ملمحا إلى كونه هو الآخر قد نُصب عليه مثلنا تماما، ساعتها تأكد لنا جليا أننا تعرضنا نحن الخمسة لعملية نصب كبيرة في واضحة النهار حصد خلالها مبلغ 30 مليون سنتيم دفعة واحدة.
لحظتها انطلق العداد العكسي لسيناريو محبوك حوله منفذوه ببراعتهم في تمثيل أدق تفاصيله إلى حقيقة مرة نتذوق علقمها بالعرض البطيء، حيث تحولنا من أصحاب حق منصوب عليهم إلى أناس ضعاف يبحثون عن وسيط أو عن أية وسيلة يسترجعون بها أموالهم من "جاهد"، وهي عملية تطلبت منا جهدا كبيرا طرقنا خلاله عدة أبواب من أجل تحقيقها، إلا أننا للأسف لم نوفق في الوصول إلى منفذ أو مخرج يمكننا من استرجاع أقساطنا المالية.
لما تأكد لنا بالواضح أن جميع الأبواب قد سدت في وجوهنا، وكذا المنافذ المؤدية إلى السبل والمساعي الحبية لطي الموضوع بالتي هي أحسن، توجهنا بشكايتنا إلى القضاء للفصل فيها طبقا للقوانين المعمول بها في المملكة، حيث وضعنا الشكاية لدى وكيل الملك بابتدائية خنيفرة، وكان أملنا في العدالة كبير جدا. للأسف، منذ ذلك الحين والملف يتأرجح بين رفوف النيابة العامة التي أجرت بحثا في الموضوع عن طريق الضابطة القضائية ومصالح الدرك الملكي بالمنطقة، وبعد أخد ورد تم تنقيل الملف إلى يد السيد الوكيل العام لجلالة الملك بمكناس، وخلال تتبعنا لخيوط انتقاله إلى مكناس حيث الوكيل العام واستفسارنا عن مآل شكوانا القضائية، أسر إلينا بعض كبار المسؤولين هناك بأن المدعو" جاهد" له نفوذ كبير وقوي جدا سواء في المحكمة أو لدى جهات عليا بالبلاد.
وكذلك كان، فهاهو اليوم يصول ويجول في خنيفرة دون أن تتحرك الآلة القضائية ولا مصالح الأمن لإلقاء القبض عليه. وملفنا مازال مجمدا في رفوف "دار الحق" إلى يومنا هذا، علما أننا قدمناه أواخر سنة 2006.
الغريب في الأمر أن مصالح الدرك الملكي لم تقم باستجوابه حتى، مما يؤكد أنه ليس فوق القانون وحسب ، بل فوق رقاب المواطنين أيضا، حيث اكتفى الدرك فقط باستدعاء الوسيط (والخباز علي)، مع العلم أننا قدمنا الشكاية في حق"جاهد" والوسيط معا. وعلى الرغم من أن هذا الأخير أقر في محضر الاستماع إليه من قبل مصالح الدرك الملكي بخنيفرة، أن النصاب الحقيقي الذي تسلم المبالغ المالية هو "جاهد"، وتصريحات أخرى قوية تستوجب اعتقال "ابن خالة الملك"في الحال، إلا أن شيئا من هذا لم يحصل. حيث مازال الوضع على ما هو عليه في انتظار عدالة السماء.
الأكيد أن ضحايا هذا "النصاب" كُثر، لكن قصور آلية العدالة في القبض عليه، يقف مانعا أمام تحريك دعاوى أخرى ضده من قبل أغلب هؤلاء الضحايا ممن سُلبت أموالهم بطرق مختلفة وأساليب حقيرة.. والحقيقة التي يجب الاعتراف بها بمنطقة خنيفرة، أن درجات الخوف التي تسري بين ضلوع غالبية هؤلاء المتضررين تمنعهم من مواجهة عائلة أمحزون".
محمد بنحلو / فلاح بسيط بمنطقة خنيفرة لـ "المشعل"
زوج "خالة الملك" رئيس عصابة تهدد أملاك المواطنين وأرزاقهم بخنيفرة
يروي "محمد بنحلو" الفلاح البسيط بمنطقة آيت موسى آيت لحسن أوسعيد، بجماعة موحى وحمو الزياني بخنيفرة، تفاصيل مثيرة لحكاية اختلطت فيها عناصر استغلال النفوذ، ونماذج من اللعب خارج طوق القانون والتحدي السافر لدار العدالة، للإستحواذ على ممتلكات المواطنين البسطاء وزرع الرعب في منطقة بأكملها. حيث يسرد "بنحلو" مشاهد أحداث واقعية، تبدو قياسا مع الشعارات المرفوعة في بلادنا حول التحولات الديمقراطية وما شابه، أقرب ما تكون إلى الغريبة، حول سرقة شملت قطيعا من ماشيته تم السطو عليها من منزله تحت جناح الظلام، في أغرب عملية سطو شهدتها المنطقة كان بطلها ـ حسب رواية بنحلوـ زوج " أمينة أمحزون" خالة الملك.
ورغم ضبط الدرك الملكي لعناصر الجريمة داخل ضيعة زوج "خالة الملك"، بحضور قائد المنطقة،ورغم مراسلة المتضرر لوزير العدل، عامل صاحب الجلالة على خنيفرة، القائد الممتاز بدائرة أحواز خنيفرة، الوزير الأول عباس الفاسي، وكيل الملك بابتدائية خنيفرة، الوكيل العام للملك باستئنافية مكناس و ديوان المظالم"، إضافة إلى رسالة مفصلة وجهت إلى جلالة الملك محمد السادس، لكنه لازال ينتظر الذي قد يأتي أو لا يأتي لإنصافه.
كيف تمت سرقة الماشية من الإسطبل دون أن تنتبهوا لذلك؟
الحقيقة أنني استيقظت ذات صباح، وتحديدا يوم الخميس 07/08/2008، على صياح الأبناء وهم يصرخون باختفاء "قطيع النعاج" من الإسطبل، فأخبرني أحد الأولاد بأن "النعاج" قد سرقت عن آخرها، وكان عددها 23 رأسا، إضافة إلى خروف و 3 عنزات. وكانت أغلب النعاج "حبلى". مباشرة بعد علمنا وتأكدنا من اختفاء القطيع انتشرنا في المنطقة في عملية بحث دقيقة وموسعة لمعرفة الوجهة التي آل إليها "قطيع النعاج"، وبعد مدة دامت قرابة الساعتين رجعنا إلى نقطة الصفر لا نلوي على شيء، باستثناء أحد أبنائي الذي عثر أثناء عودته على جثة "جدي" مذبوحا،وهو مُسجى على قارعة الطريق، فهرعنا جميعا إلى مكان الواقعة،فتأكد لنا أن الغنم لم تحمل على متن شاحنة أو أية وسيلة نقل أخرى. اهتدينا بحكم خبرتنا في الرعي ومعرفتنا الواسعة بالطرق التي تُسرق بها الماشية، إلى تقفي أثر أقدام القطيع، وكذلك كان، حتى وقفنا على ضفاف نهر أم الربيع.
وماذا بعد، هل عُدتُم أدراجكم؟
بالعكس، تقفينا الأثر فوق جسر صغير، عبر الطريق المؤدية إلى منطقة "كهف النسور" و"أكلموس"، وبما أن سني لم يعد يسمح لي بالمشي طويلا، أمرت الأولاد بمواصلة البحث بسرعة حتى لا يبتعد اللصوص عن المنطقة، وهو ما تم بالفعل إلى أن وصلوا إلى إسطبل بـ "ضيعة" خالة الملك "أمينة أمحزون"، الذي يديره زوجها "محمد السرويتي"، وبعد أن التحقت بهم إلى عين المكان، وجدنا الأثر قد انتهى هناك، مما يعني أن "قطيع النعاج" يتواجد داخل "عرسة" أمينة أمحزون، ومع ذلك لم نجرؤ على اتهام الناس دون دليل، فأمرت أبنائي بمراقبة المكان جيدا، دون إثارة الانتباه، بينما قصدت مركز الدرك الملكي وأخبرتهم بجميع تفاصيل عملية السرقة التي تعرضت لها "نعاجي" بآيت موسى لحسن أو سعيد بجماعة موحى وحمو الزياني بخنيفرة، وكذا عن مراحل عملية البحث التي قمنا بها في الموضوع، مؤكدا لهم شكي في كون "النعاج" تتواجد بإسطبل "أمينة أمحزون"، وبناء عليه انتقلت صحبتي عناصر من الدرك الملكي إلى عين المكان، وتحسسنا، جميع الأماكن عن بُعد علّنا نقف على دليل إثبات يؤكد وجود غنمي بالداخل، للأسف لم نسمع ولو شيئا يؤكد ذلك، فغادر رجال الدرك المكان، بينما بقي الأبناء يحرسون المكان علهم يعثرون على ما يؤكد تواجد القطيع بالداخل، واستمروا على هذا الحال لمدة 3 أيام، حيث كانت المفاجأة الكبرى، أن رأى الأبناء أحد الكلاب وهو يجر جثة الخروف الصغير ضمن القطيع المسروق من داخل إسطبل"أمينة أمحزون"، ولما تعرفوا عليه اتصلوا بالدرك لمعاينة الواقعة في مكانها، وكذلك كان، ومع ذلك لم تتجرأ عناصر الدرك على اقتحام المكان، لكن الروائح الكريهة التي ملأت المكان جراء تعفن الجثث أجبر السلطات المحلية وعناصر الدرك الملكي على اقتحام المكان، حيث وجدنا القطيع "منحورا" عن آخره، حيث تم شق الصدر بواسطة آلة حادة، 23 نعجة أغلبهن "حبلى" تم الفتك بهن بطريقة وحشية ودسهن وسط أكوام التبن، مخافة تسلل أصواتهن خارج أسوار الإسطبل، وانفضاح أمرهم، لكن الروائح النتنة نتيجة تعفن الجثث كانت أقوى من الصياح والضجيج والثُّغاء.
كيف كانت ردة فعل السلطات المحلية والدرك؟
حرر كل منهما تقريرا بمعرفته، ضبطا من خلاله عملية تواجد القطيع المسروق داخل إسطبل "أمينة أمحزون"، مسفوك الدماء بطريقة وحشية لدرجة أن بعض "النعاج" انفجرت من بطونها "الخراف التي كانت حبلى" بها، في مشهد مقزز للغاية، يؤكد أن اللصوص أرادوا إخفاء سرقتهم الخسيسة بواسطة اقترافهم لجريمة أكبر منها، ذهبت ضحيتها أعداد من الخراف والنعاج. وقد قامت السلطات والدرك بتصوير هذا المشهد المريب، وبعد ذلك تم إخراج القطيع من الإسطبل إلى الساحة المجاورة، حيث تم حرق الجثث درءا لانتشار الروائح الكريهة.
وتجدر الإشارة إلى أني كنت أصف لرجال الدرك العلامات الخاصة بكل نعجة للتأكيد بأن القطيع المقتول هو قطيعي حتى لا يتم تزوير الأمور في المستقبل.
ماهي الإجراءات العملية التي قام بها مركز الدرك الملكي بخنيفرة؟
للأسف، لم تتخذ أية إجراءات عملية لإقرار الحق رغم ثبوت الأشياء ووضوح الأدلة ضد "محمد السرويتي" زوج خالة الملك، حيث ضبطت المسروقات في إسطبله وبعلمه أو ربما تم قتل القطيع بأمر منه، ومع ذلك لم تتحرك الآلة القانونية التي تحكم البلاد، لمساءلته واعتقاله جراء الأفعال المسنوبة إليه. مما يؤكد بكل المقاييس أن الرجل يعيش في المملكة بعيدا عن المساءلة، وخارج سلطة القانون وسلطان القضاء، مما يحفزه على "الإبداع" في أشكال السطو والعدوان والاحتقار والاستغلال وحتى التعذيب.
ألم تتصل بك "أمينة أمحزون" أو أي فرد من عائلتها لإقناعك بالتراجع عن شكايتكم ؟
أجل، اتصلت بي "أمينة أمحزون" شخصيا، وكان ذلك أمام مقر الجمعية المغربية لمساندة المرضى المصابين بالقصور الكلوي بمركز تصفية الدم بخنيفرة، حيث وجدتها في حالة صحية جد متدهورة، فسألتني إذا ما كان زوجها السرويتي هو من قام بسرقة القطيع، فأعلمتها بأنه الفاعل الحقيقي ومدبر عملية السرقة منذ بدايتها، بل إنه رئيس عصابة تهدد أملاك المواطنين بالمنطقة، وكان هذا الحوار في حضور "السرويتي" وعلى مسامعه، فحاولت هذه الأخيرة الدفاع عنه، مُشيرة إلى أن الناس تتهمه بأشياء لا أساس لها من الصحة، مُبدية استعدادها للتفاوض معي حول تعويض القيمة المالية للقطيع، وهو الأمر الذي قبلتُ به، شريطة أن يكون التعويض مناسبا لحجم الضرر، مقابل أن أتنازل عن الشكاية المرفوعة لوكيل الملك وينتهي الأمر. فوافقت "أمحزون" على هذا الاقتراح ووعدتني بإتمام الإجراءات فيما بعد،وحددت موعدا في نفس ا ليوم على الساعة السادسة مساءا بمقهى "فندق النجاح"، لكنها لم تلتزم بالحضور حسب الاتفاق، وبعد مدة جاءتني إلى سوق المدينة، وأكدت لي صدق نيتها في تعويضي وإنهاء المشكل، فاتفقنا مرة أخرى على التنسيق مع أخ السرويتي" جمال"، وكذلك كان، حيث التقيت هذا الأخير وحددنا موعدا آخر بنفس الفندق للفصل نهائيا في الموضوع، إلا أنه للأسف لم يلتزم، مما يعني أني سلكت جميع السبل والمساعي الحميدة لفك النزاع خارج قاعات المحاكم ومخافر الدرك الملكي، للأسف وجدت هؤلاء يجتهدون لتمطيط الوقت ليس إلا.
ألم تشتك هؤلاء إلى عامل صاحب الجلالة على إقليم خنيفرة؟
نعم، لقد لجأت إلى السيد العامل واستقبلني في مكتبه، وقلت له حرفيا (أنت ممثل صاحب الجلالة بالمنطقة وأنا من الفلاحين الصغار بالمنطقة، تم الاعتداء على قطيع غنمي وقتلها بعد سرقتها من قبل "السرويتي محمد" زوج "أمينة أمحزون" خالة الملك)، فأخبرني العامل بأنه على علم بكل تفاصيل الملف، حيث وجدته على بينة بكل صغيرة وكبيرة في الموضوع، بل إنه اتصل بالسرويتي هاتفيا في حديث دام أكثر من نصف ساعة، وحدد معه موعدا على مسمعي، الشيء الذي دفعني إلى إخباره بنيتي في تنظيم مسيرة احتجاجية أمام باب العمالة تنديدا بالمؤامرات الخسيسة التي تحاك ضد المواطنين من قبل "عائلة أمحزون" وأتباعها، فطلب مني العامل تأجيل أمر تنظيم هذه المسيرة إلى غاية طي الملف نهائيا، ثم غادرت العمالة إلى يومنا هذا، ولم يتصل بي عامل الإقليم ولو على سبيل المزاح حتى!
كيف كانت ردة فعل وكيل جلالة الملك، لما توجهتم له بالشكاية؟
دخلت على وكيل الملك بابتدائية خنيفرة، لأقدم شكاية بخصوص ما حصل لي مع "محمد السرويتي"، فسألني الوكيل ضد من أقدم الشكاية، فقلت له ضد "عائلة أمحزون" فدقق معي في السؤال، حول من في عائلة أمحزون؟ فقلت له ضد "أمنية أمحزون" خالة الملك (خالة سيدنا الله ينصرو)، فوضع الوكيل رأسه بين يديه متأففا، ثم طلب مني التوجه إلى الدرك الملكي وتحديدا عند (لاجودان البقالي)، بعد أن تسلم مني الشكاية، فلما قصدت هذا الأخير طلب مني فتح محضر جديد بخصوص النازلة إياها، وكذلك كان، حيث فتحنا ملفا جديدا، ومع ذلك لا حياة لمن تنادي وكأننا نصارع جبلا من الحديد والإسمنت المسلم.
للأسف لم نتوصل مند 11 غشت 2008 تاريخ وضع شكاية لدى الوكيل إلى يومنا هذا بأي خبر عن الموضوع، مما أجبرنا على اللجوء إلى جهات أخرى، كمراسلة وزير العدل، عامل صاحب الجلالة على خنيفرة، القائد الممتاز بدائرة أحواز خنيفرة، الوزير الأول عباس الفاسي، الوكيل العام للملك باستئنافية مكناس، ديوان المظالم، ثم رسالة مفصلة إلى الديوان الملكي لجلالة الملك محمد السادس. إلا أني لم أتوصل بأي جواب ماعدا "ديوان المظالم" الذي مكنني من رسالة موجهة لوكيل الملك، والتي تم بموجبها تحريك الشكاية الموضوعة بالمحكمة، كما تم على إثرها تحرير أمر باعتقال "محمد السرويتي"، لكن عملية تنفيذ الأمر من طرف السلطة التنفيذية بالمدينة والتي يمثلها عامل صاحب الجلالة،ظل معلقا ولم تنفذ أمر النيابة العامة باعتقال زوج خالة الملك، ومساءلته من أجل المنسوب إليه.
جمال بنحلو ابن صاحب القطيع المسروق يصرح لـ"المشعل"
عصابة زوج "خالة الملك" قتلت 23 نعجة بعد سرقتها ودست جثثها وسط أكوام التبن.
يسرد "جمال بنحلو" ابن الضحية الذي تم السطو على "قطيع شياهه" وقتلها بوحشية، أدق التفاصيل لخيوط الجريمة البشعة التي كان بطلها الرئيسي زوج "خالة الملك"، حيث تسللت عصابة هذا الأخير إلى جوف مسكن الضحية، في مشهد أقرب إلى سيناريوهات الأفلام الهوليودية، التي تؤرشف لأشرطة عن الحياة البرية لـ"رعاة البقر"، وهم يتسللون تحت جناح الليل لسرقة "الماشية" من ضيعات أصحابها. لكن "جمال" يروي قصة مثيرة عاشها في واقعه اليومي، يؤرخ من خلالها لنماذج من الحياة المغربية التي تخللتها وتتخللها الكثير من النقط والفواصل، وخليط من علامات الاستفهام والتعجب، وسيل من علامات قف وإشارات المنع، مؤكدا بذلك مضمون الشائعة الرائجة عن المغرب" مادمت في المغرب فلا تستغرب".
تلمستُ ومجموعة من إخوتي أثر وقع أقدام قطيع "النعاج"، إلى أن انقطع وقعه أمام إسطبل بضيعة "أمنية أمحزون"، وهو الأمر الذي قوى شكنا في تواجد قطيع الغنم داخل الضيعة إياها، ورغم ذلك ركزنا على تعميق التأكد أكثر من وقع الأثر، حتى لا يختلط علينا الأمر بأثر أقدام قطيع آخر، مما دفعنا إلى التوجه بالسؤال للجيران للوقوف معهم على الحقيقة، لكنهم أكدوا لنا بأن ليس هناك أي قطيع للغنم مرّ من ذات الطريق، فقط هي بقرة وعجل يعبرانها يوميا، وهي الشهادة التي بددت الشكوك التي حلقت فوق رؤوسنا، وأكدت لنا من زاوية أخرى تواجد قطيعنا داخل الضيعة، لكن الذي ظل ينقصنا هو تأكيد ذلك بالدليل والحجة. ولا يفوتني التذكير في هذه اللحظة بالذات أني لما وقفت بمحاذاة الضيعة، فاجأني أحد "الرباعة" ويدعى "أوسعيد"، دون أن أسأله عن القطيع المسروق، إذ بادر إلى تحذيري من اتهامه بـ"سرقة" أي نوع من الماشية، وهو الأمر الذي حرك الوساوس في رأسي من جديد، خاصة حول مصدر علمه ببحثي عن القطيع، علما أني لم أنبس بأية كلمة في الموضوع.. ومع ذلك لم أُبد له أي نوع من أنواع الشك والارتياب في أمره، وتأكيدا لذلك طلبت منه مد يد العون لنا في البحث عن قطيعنا المسروق، ولتضليلنا عمد "الرباع" إلى توجيهنا نحو وجهة معاكسة، على اعتبار أنه لاحظ بها وقع أثر لقطيع غنم ربما قد نهتدي من خلاله إلى الوجهة الحقيقية التي آلت إليها "النعاج"، ورغم يقيني من كذبه جاريته فيما يقول وأرسلت إخوتي في الاتجاه الذي أشار إليه، بينما وقفت في مكاني أرقبهم، فجأة رمقت ستة شبان انسلوا من قلب ضيعة " أمحزون" إلى الجهة الأخرى، وهم يركضون بسرعة جنونية كما لو كانوا يسابقون الريح، لاحظت أيضا من موقعي "أوسعيد" وهو يتحدث عبر الهاتف في حالة تؤكد عن بُعد أنه في موقف لا يُحسد عليه، بعدها ركب سيارته وانطلق بسرعة البرق، حيث ظهر من خلال حركاته وكأنه ينفذ أمرا عاجلا توصل به عبر الهاتف، ومنذ تلك اللحظة لم يظهر له أثر إلى الآن.
واصلنا حراسة المكان خلال ثلاثة أيام بلياليها، ترصدنا فيها جميع الحركات والسكنات وأحصينا كل الأنفاس التي تحوم حول الضيعة، والأمل يحذونا في التوصل إلى دليل مادي يؤكد صحة وجود قطيعنا "المسروق"داخل الإسطبل، لعلمنا أنه طالما لم يظهر أي دليل مادي على تواجد الغنم داخل الضيعة، لن نتمكن من القيام بأية مبادرة لولوج المكان.
الذي جرى داخل الضيعة أن اللصوص لما شعروا بالخطر، وعلموا بوجودنا وتطويقنا للضيعة، عمدوا إلى قتل "النعاج" وليس "ذبحها"، درءا منهم لأية حركة قد تثير الضجيج وتفضح المستور، وبعد ذلك دسوا الجثث وسط أكوام التبن، اعتقادا منهم بأن خطة القتل ستجعلهم ينسلون من عملية السرقة كـ "الشعرة من العجين"، لكن بعد مرور ثلاثة أيام تعفنت جثث "النعاج"، وفاحت روائحها الكريهة على طول مئات الأمتار بالمناطق المجاورة، هكذا تسللت إلى أنوفنا فاضحة "المستور" مباشرة بعد تسربها خارج أسوار الضيعة.
ونحن نتشاور حول الطريقة التي تمكننا من التأكد أكثر، كون الرائحة إياها، منبعثة من جثث "نعاجنا"، لفت انتباهنا كلب وهو يجر خروفا بين أكوام التبن داخل الضيعة، وبحكم معرفتنا للخروف تأكدنا أن الروائح المنبعثة من جوف الضيعة هي للقطيع الذي نبحث عنه، فقمنا على وجه السرعة بإخبار رجال الدرك الملكي، وقائد المنطقة بالأمر فحضروا إلى عين المكان، ومع ذلك لم يتجرؤوا على اقتحامه، لكن قوة الروائح الكريهة أجبرتهم على ذلك، والبقية سردها لكم والدي.

السبت، 2 يناير 2010

أسوأ أيام الملك الحسن الثاني





2008 / 11 / 29

كلما اتسعت دوائر التقصي أو نطق أحد الصامتين أو تم العثور على وثيقة أو معلومة جديدة كشف فيها عن تصريح، يتبين من جديد أن خبايا تاريخ المغرب المعاصر مازالت خفية، لم تعرف بعد كاملة.

ففي منتصف صيف 1971، كان المغرب الشعبي في أوج غليانه، وكانت قواه الحية التواقة إلى تغيير جذري توحدها فكرة واحدة: تنحية الملكية من المغرب وتعويضها بنظام آخر!
آنذاك، وبالضبط يوم 10 يوليوز، بعد إحياء سهرة فنية ضخمة في ليلة التاسع منه، قام بتنشيطها عمالقة الأغنية العربية وقتئذ، استقبل الملك الراحل الحسن الثاني ضيوفه بقصر الصخيرات في أجواء صيفية رائقة، قوامها المرح والمتعة وتقديم صنوف الأكل وغيرها من مظاهر البذخ.

احتل المدعوون حدائق القصر، حيث كل شبر من بساطها الأخضر المؤثث بأشجار الميموزا والأوكاليبتوس المستورد من استراليا. أكثر من ألف ضيف، جلهم بزي صيفي خفيف تبعا للتعليمات الواردة في الدعوات التي توصلوا بها، بلسان العرب ولغتي موليير وشكسبير. كل الشخصيات الوازنة، المغربية والأجنبية، المتواجدة آنذاك على التراب الوطني، كانت حاضرة ذلك اليوم بقصر الصخيرات لمشاركة الحسن الثاني احتفالات عيد ميلاده 42. منهم بورقيبة الابن، لوي جوكس، جاك بونوا ميشان، الراقص المشهور وقتئذ جاك جازو، الأستاذان "تورين" و"دوجين"، تاجر المجوهرات ذائع الصيت "شومي"، الدكتور "دوبوا روكبير" وآخرون من رجال السلك الديبلوماسي ورجال الأعمال وغيرهم.

لحظتئذ، وحده الملك الحسن الثاني كان جالسا إلى مائدة الأكل بصدد تذوق "لانكوست" ضخمة اختيرت بعناية كبيرة من طرف أحد اليهود القائمين على تحضير الأطباق الرفيعة ذلك اليوم.

كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية و8 دقائق زوالا، حسب أكثر من شاهد عيان.. من قلب أنغام قطعة موسيقية صامتة كانت تعم الأجواء، دوت طلقات الرصاص وانفجارات قنابل يدوية.. توقفت الفرقة الموسيقية عن العزف.. سقط فرنسي وتهاوى سفير بلجيكا على الأرض جثة هامدة... تناثرت القنابل في مختلف أرجاء الفضاءات الخارجية لقصر الصخيرات.. جثث "لي كادي" (مساعدو لاعبي الغولف المكلفين بلوازم اللعبة) منتشرة على البساط الأخضر هنا وهناك.. مئات الضيوف هرعوا مذعورين فوق الرمال الذهبية موَلِّين ظهورهم إلى شاطئ المحيط الأطلسي الذي كان هادئا ذلك اليوم...

أكثر من ثلاث ساعات من الفوضى والهمجية أبطالها جنود أغرار، على رأسهم الليوتنان كولونيل امحمد عبابو، الذي طلب من مرافقه الأمين، العملاق عقا تخليصه مما كان ينتظره بإطلاق رصاصة الرحمة عليه بعد إصابته البليغة بالمقر العام للقوات المسلحة... ليسدل الستار على انقلاب الصخيرات.

نهاية الانقلاب جاءت بطريقة غريبة، ظل يلفها الكثير من الغموض، حيث أثار ضجيجا كبيرا لكنه لم ينجح في الوصول إلى المستهدف الأول: الملك، وذلك رغم خطة تدبيره في الخفاء من طرف 5 جنرالات، حسب المصادر البريطانية.

توقف إطلاق النار بحلول الساعة الخامسة زوالا.. سلم الملك الراحل الحسن الثاني كافة السلط العسكرية والمدنية لرجل ثقته وقتئذ، الجنرال محمد أوفقير، ليبدأ مسلسل القمع الدموي وتصفية الحسابات، الظاهر منها والمستتر... كل هذه الأمور وغيرها معروفة، تناولتها جهات وطنية وأجنبية، إلا أن بعض مناطق الظل ظلت في حاجة إلى المزيد من التوضيح، ومنها الدور الذي لعبته وقفة قافلة الانقلابيين ببلدة بوقنادل والكشف على أن الأمر يتعلق بالقيام بانقلاب عسكري مع علم جهات أخرى بالتخطيط له، وعلى رأسها المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، وغيرها من التساؤلات.

يحاول ملف هذا الأسبوع الإحاطة بكل القضايا المتعلقة بهذه المسألة، معية الكاتب محمد لومة صاحب مؤلفات اعتنت بأحداث ووقائع وجَّهت تاريخ المغرب الحديث نحو الوجهة التي سار فيها.


"لحلاسة راها تقلبات.. اجمع حوايجك" ( الحصير قد تنقلب اجمع متاعك)



من بين النوازل، التي تبين بجلاء أن الجنرال محمد أوفقير كان على علم بحدوث انقلاب الصخيرات قبل وقوعه، ما حدث بسجن بولمهارز بمراكش.
يوم حصول المحاولة الانقلابية الفاشلة بالصخيرات كان كل من سعيد بونعيلات وأحمد الفرقاني بسجن بولمهارز، ممنوعين من الاتصالات المباشرة فيما بينهما، إلى جانب اليازغي وآخرين. وفي يوم 10 يوليوز 1971، كان الفورقاني يقوم بفسحته اليومية بساحة السجن، وكان كلما اقترب من زنزانة سعيد بونعيلات إلا وحاول التواصل معه خلسة لمعرفة ما لديه من أخبار ومستجدات، فقال له بونعيلات بالأمازيغية : "اليوم لحلاسة راها تقلبات"..

أكمل الفورقاني جولته قصد الاستفسار عن الأمر، فقال لبونعيلات: "أش من حلاسة تقلبات؟!"، فأجابه: "لحلاسة راها تقلبات اجمع حوايجك"..

حسب محمد لومة، في ليلة 10 يوليوز 1971، اتصل أحد الذين تربطهم علاقات عائلية قوية بالجنرال أوفقير (يسمى على أوفقير، وكان يعمل بإحدى الأجهزة الأمنية وغالب الظن في "السيمي")، بأحد سجناء سجن بولمهارز، وقال له: "اجمعوا حوايجكم، غدا راه غادي توقع شي حاجة كبيرة ومهمة إن شاء الله، وراه غادي تلتحقو بديوركم".

ويضيف محمد لومة، لم يكن على أوفقير هذا سيقوم بما قام به دون تعليمات صادرة عن الجنرال
أوفقير.

لكن في مساء يوم 10 يوليوز، لما اتضح فشل المحاولة الانقلابية، قرر الجنرال تصفية كل سجناء سجن بولمهارز الاتحاديين. آنذاك كان بلغازي، مديرا لهذه المؤسسة السجنية، وهو مقاوم سابق بارز، على علاقة ببعض المقاومين وأعضاء جيش التحرير النزلاء بسجنه، ولاحظ أن هناك فرقة من البوليس، كل عناصرها من عين الشعير (بلدة الجنرال أوفقير) مسلحين بالرشاشات، وكان قد فهم من حديثهم أنهم يخططون ذلك اليوم لكيفية تنفيذ التعليمات الرامية إلى التصفية الجماعية للمعتقلين الاتحاديين (عددهم 172)، فقام المدير المذكور برمي مفاتيح الزنازن داخل زنزانة أحد السجناء واتجه على الفور إلي مكتب وكيل الملك بمراكش فأخبره بقرب وقوع مذبحة بالسجن الذي يديره، وشرح له أن هناك عناصر مسلحة، غرباء عن المؤسسة، أرسلهم الجنرال أوفقير للقيام بقتل السجناء الاتحاديين.

وحسب محمد لومة، كما خطط الجنرال أوفقير لمسح آثار الجنرالات يوم 13 يوليوز (بتصفيتهم بدون محاكمة)، أراد كذلك أن يمحو ذاكرة 172 معتقلا بسجن بولمهارز بمراكش كشهود على علمه بحدوث الانقلاب قبل وقوعه. ولولا لطف الله ومبادرة مدير السجن، لحصلت مذبحة بهذا السجن، أفظع من مذبحة قصر الصخيرات.

وهذه الرواية الأخيرة تناقض الرواية القائلة بأن تلك العناصر حضرت إلى السجن لتكون على تأهب من أجل إطلاق سراح المعتقلين الاتحاديين وليس لتصفيتهم، كما تم الاعتقاد بذلك.


عبد الرحيم شجار


في اتصال بعبد الرحمان شجار أحد المعتقلين ضمن "مجموعة 172" بسجن بولمهارز، صرح للجريدة بأن خبر اندلاع انقلاب 1971 توصلوا به من طرف المرحوم محمد الحبيب الفرقاني، الذي علم به عن طريق، مدير السجن آنذاك، المقاوم بلغازي.

وعليه لم يتم تنقيلهم يوم العاشر من يوليوز إلى المحاكمة التي كانت أطوارها تدور بمحكمة باب دكالة.

وأكد أن التحليل الذي ساد يومها في أوساط المعتقلين إثر تواجد عدد كبير من أفراد الجيش والمخابرات والشرطة داخل السجن، رغم عدم علاقتهم بإدارة السجون، بأنها حركة يراد بها تخليص السجناء تمهيدا للاتصال بقيادتهم في الخارج، وذلك من أجل إضفاء المشروعية السياسية على واقع الانقلاب، علما أن هذه الرواية تناقض الرواية الأخرى القائلة إن فرقة الأمن التي تتكون عناصرها من منطقة عين الشعير جاءت إلى سجن بولمهارز، بأمر من الجنرال أوفقير لتصفية المعتقلين الاتحاديين، كونهم علموا بأن الجنرال المذكور كان على علم بالإعداد لانقلاب الصخيرات.

وفي هذا الصدد أكد لنا محمد لومة أن اعبابو وجماعته كانوا يتخوفون من أن يسبقهم الاتحاديون بخصوص تغيير النظام بالمغرب، لذا قال لرجاله :" إن أولئك الناس يفكرون في الهجوم، علينا أن نسبقهم ونمنح للمحكومين منهم العفو بمراكش".


لماذا لم يسقط الكثير من اليهود ضحايا بالصخيرات؟


لازال البعض يتساءلون باستغراب عن عدم سقوط الكثير من الشخصيات اليهودية يوم 10 يوليوز 1971 ضمن ضحايا قصر الصخيرات، فهل كان جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) على علم مسبق بالحركة الانقلابية قبل وقوعها؟

لم يسقط بقصر الصخيرات سوى يهودي واحد، هو ماكس مانيان، مدير شركة "كوزيمار" (معمل السكر بالدار البيضاء)، كما أصيب يهوديان آخران بجروح طفيفة.

علما أن أكثر من جهة أكدت مرارا أن الموساد كان على علم بكثير من الأسرار بخصوص العملية الانقلابية وغيرها من النوازل والمؤامرات، على الأقل لم يقم بإخبار اليهود المقربين من القصر الملكي والعاملين به، وهم كثر، إضافة إلى الضيوف المدعوين من اليهود، بعدم حضورهم ذلك اليوم أو على الأقل تنبيههم!!؟

فاليهود هم الذين كانوا وقتئذ يؤطرون الحفلات والمأكل والمشرب بقصر الصخيرات، ومن هؤلاء شقيق شمعون ليفي، وزير الشؤون الخارجية الإسرائيلية، وهو صاحب مرقص "أمنيزيا" الكائن بشارع علال بن عبد الله بالرباط، والذي كان ولي العهد يقضي به بعض أوقات فراغه رفقة شلته في طور الشباب المبكر.

ومن المعلوم أن ترقية الأخوين محمد وامحمد اعبابو (الأول أصغر من الثاني بثلاث سنوات)، تمت في يوم واحد (3 مارس 1971) وذلك استعدادا للانقلاب، وهي ترقية مخدومة من طرف الجنرال المذبوح، كما أمر هذا الجنرال بزيادة تسليح مدرسة اهرمومو قبيل الانقلاب.

لقد تم اعتماد طريقة القيادة من فوق، فالجنرال المذبوح (الذي يعتبر قائد الانقلاب)، لم يجلس إطلاقا مع الكولونيل محمد اعبابو، وكان حواره دائما مع امحمد أخ المعني الأول.

وكان القبطان الشلاط، الذي وعد بالترقية آنذاك، وتحت إمرة هذا الأخير، حسب الأقدمية، القبطان بلكبير والقبطان غلول، وهما اللذان قادا القافلتين من اهرمومو إلى فاس ثم زكوطة فسيدي قاسم، إلى سيدي سليمان وسيدي يحيى، مرورا بالقنيطرة، وصولا إلى بوقنادل (على بعد بضع كيلومترات من مدينة سلا)، وهناك (ببوقنادل) تغيرت قيادة القافلتين، آنذاك رفعت أغطية الشاحنات ولُقِّمت الأسلحة وتم إخبار الجنود بالاستعداد للدخول إلى منطقة حرب، مما يعني وضع الأصبع على الزناد والاستنفار لإطلاق النار حال صدور الأوامر.


التصريح الذي ورط كل المتهمين


من أهم التصريحات التي كبلت المتهمين بقاعة المحكمة العسكرية الدائمة بالقنيطرة، ما أدلى به محمد اعبابو، شقيق امحمد اعبابو، مدير مدرسة اهرمومو، إذ جاء في محضر استنطاقه أن الجنرال المذبوح حدد بمعية شقيقه تفاصيل خطة الهجوم على القصر الملكي بالصخيرات، وعملا معا على ضمان تنسيق تحركات المجموعتين المتدخلتين في هذه العملية، كما توافقا على تعيين الأشخاص اللازم تصفيتهم وأولئك الواجب احتجازهم إلى حين النظر في حالتهم كل واحد على حدة، واتفقا أيضا بخصوص الضباط الغرباء عن مدرسة اهرمومو، الذين سيلتحقون بالعملية وهم:
- الليوتنان كولونيل القادري
- الكومندار المالطي
- الكومندار المنور
- الكومندار البريكي
- الكومندار الرياني (صهر المذبوح)
- الكومندار الحرشي
الكومندار مليس
وذلك من أجل أن يبرز للانقلابيين أن مختلف مكونات الجيش مشاركة في العملية.

وكان هؤلاء الضباط الغرباء ينتظرون القافلة ببلدة بوقنادل بلباس مدني صيفي خفيف، وبعد خلوة قصيرة مع امحمد اعبابو (داخل سيارة مدنية)، ارتدى كل واحد منهم اللباس العسكري وحملوا أسلحتهم، بما فيهم ضابط شرطة كان يرافقهم.

هذا ما أنكر علمه المرزوقي (صاحب كتاب تازمامارت/ الزنزانة رقم 10) في التحقيق، لكنه لم ينكره بعد نجاته من جحيم تازمامارت.
وفعلا، قلة جدا، هم الذين أقروا بأن امحمد اعبابو أخبر ضباطه ببوقنادل أن الأمر يتعلق بالقيام بانقلاب، ومن هؤلاء، إضافة إلى محمد اعبابو، عبد العزيز بين بين (نجل مؤنس الحسن الثاني) والذي أدلى في التحقيق بما يلي:

[...] تجمعنا حول الليوتنان كولونيل امحمد اعبابو وقال لنا: "أيها الضباط الشباب تعرفون، حق المعرفة، وضعية الضابط بقواتنا المسلحة [..] القيادة العليا قررت القيام بانقلاب.. علينا مهاجمة قصر الصخيرات على الساعة الواحدة زوالا.. وفي نفس الساعة ستتدخل وحدات في مدن أخرى.. سنقوم بمحاصرة القصر وعليكم إطلاق النار على كل من سيحاول الفرار...".

ويعترف محمد اعبابو منذ البداية أن شقيقه امحمد فاتحه مبكرا في الإعداد لمحاولة انقلاب لتغيير الوضع بالبلاد، إذ تشاور معه بخصوص الكمين الذي كان ينوي نصبه للموكب الملكي بضواحي إفران بمناسبة حضور الملك الحسن الثاني لمناورات الحاجب في غضون شهر أبريل سنة 1971، شهورا معدودة قبل انقلاب الصخيرات، وقد عمل محمد على تني أخيه عن المغامرة لعدم توفر شروط نجاحها. ومما يبين أن امحمد اقتنع بملاحظات شقيقه ما صرح به هذا الأخير، حيث قال:
" [...] حال وصولنا إلى فاس، هاتف أخي مدرسة اهرمومو وقال للقبطان بلكبير بصوت مرتفع: ".. التمرين المقرر قد ألغي نظرا لظروف الطقس السيئة.. لا تغادروا المدرسة لتجنب أخطار الحوادث..".

وجاء في تصريحات محمد اعبابو أيضا أن شقيقه امحمد حاول اقناعه بأنه التقى أكثر من مرة مع الجنرال المذبوح، آخرها بمدينة فاس، إذ نادى على "البلانطو" الذي كان يعمل بمنزله هناك، حيث قال محمد في المحضر:
"وجدت شقيقي وحده في منزله بفاس.. تناولت معه فنجان قهوة.. ثم نادى على "البلانطو" لحسن فسأله أمامي: "من كان جالسا على هذه الأريكة البارحة؟".
تردد لحسن، فأمره محمد بالإجابة، فنطق لحسن: "كان هناك الجنرال المذبوح...".

أما بخصوص النظام الذي كان يرغب الانقلابيون القيام به، يقول محمد اعبابو:
"من خلال الحوارات التي أجريتها مع شقيقي امحمد فيما بين 7 و10 يوليوز تبين لي أن الجنرال المذبوح كان ينوي إحداث نظام يرتكز على القوات المسلحة.. لذلك فكر في توسيع دائرة اختصاص وزارة الدفاع لتشرف على القوات المسلحة والدرك والقوات المساعدة والأمن [وكانت ستؤول إلى أخيه] [...] وكنت أنا مرشحا للاضطلاع بالقيادة العامة للجيش.. أما "مجلس الثورة"، فكان سيضم ضباطا يتم اختيارهم من الذين أثبتوا انخراطهم في قلب النظام..".

ويضيف محمد اعبابو "يبدو أن اجتماعا أقيم بفيلا كان يملكها شقيقي بشاطئ "كابونيكرو" بالشمال، أسبوعا قبل الانقلاب، وربما تقرر كل شيء خلاله...".

وهذا ما أشار إليه كذلك، على بوريكارت في مذكراته، حيث كتب: "لقد علمت على لسان "لاجودان شاف" عقا أن أوفقير، أسبوعا قبل الهجوم على قصر الصخيرات، زار الكولونيل اعبابو رفقة الدليمي بفيلاته بـ "كابو نيكرو" شمال البلاد.

وجاء أيضا في محضر محمد اعبابو: "[..] خلال حوار شقيقي مع الجنرالات بمقر المكتب الثالث بالقيادة العامة وقع نظره على الكولونيل بنعيسى [الحرس الملكي] فالتفت إليه وقال: "موكولونيل".. مع الأسف أخبركم بموت رئيسنا، الجنرال المذبوح.." (ثم توجه إلى جميع الحاضرين) ".. نعم، الجنرال المذبوح هو رئيسنا، لكنه مع الأسف الشديد لقي حتفه..".

وجوابا على سؤال القاضي قال محمد اعبابو: "[..] عندما سلم شقيقي "السلطة" للجنرالات بمقر المكتب الثالث اتصل بي بعض الضباط الشباب، أذكر منهم أخليج والفكيكي وآخرين، حيث قالوا: "لقد قام شقيقك باقتراف حماقة كبيرة.. السلطة يجب أن تعود لنا نحن..".
وأضاف: "[...] آنذاك فكرت في الهروب وقررت استفسار شقيقي عن المكان الذي يخبئ فيه المال لأخذه وأغادر البلاد.. إلا أن الفرصة لم تتح لي..".

وبالرجوع إلى ما قيل بخصوص المحاولة الانقلابية الفاشلة، وما تم الكشف عنه من معطيات وإلى تقاطع جملة من التصريحات، ذهب مجموعة من المحللين إلى الاعتقاد بوجود خلاف بين الجنرال المذبوح والليوتنان كولونيل امحمد اعبابو، إذ كان الأول عاقدا العزم على اقتحام القصر الملكي وتجريد الحرس الملكي من السلاح ووضع اليد على الملك لدفعه إلى التخلي عن العرش وتسليم السلطة إلى "مجلس الثورة" المكون من ضباط شباب، أي القيام بانقلاب "نظيف" دون إراقة دماء. أما امحمد اعبابو فقد عقد العزم على اغتيال الملك وتهجير العائلة الملكية والإعلان عن إقامة نظام عسكري.

ويظل أحمد رامي الوحيد الذي يقر بأن محمد المذبوح تحدث مع الحسن الثاني بعد الهجوم على القصر وأخبره بأن لا مخرج إلا بالتخلي عن السلطة مع إمكانية اللجوء إلى فرنسا عبر الرباط أو الدار البيضاء.. وافق الملك ووقع كتابا بهذا الخصوص، وِجد بحوزة الجنرال المذبوح وهو جثة هامدة. وهذه النازلة لم تتم الإشارة إليها من قبل.


كيف تحرك 1400 جندي مدججين بالسلاح دون إثارة الانتباه؟


سؤال ظل يردده الكثيرون، كيف تمكن 1400 جندي من التحرك على امتداد مئات الكيلومترات دون إثارة انتباه السلطات العسكرية والمدنية ورؤساء المناطق العسكرية وعمال الأقاليم الأربعة التي اخترقوها آنذاك (1971)، كان:

- امحمد باحنيني وزير الدفاع بعد أن عوض الجنرال مزيان في 5 فبراير 1971.
- الجنرال المذبوح مدير الديوان الملكي.
- الجنرال محمد بلعالم الكاتب العام بوزارة الداخلية.
- أحمد الدليمي مدير الأمن الوطني.
- الكولونيل بولحمص قائد الدرك الملكي.
- الجنرال مصطفى أمحراش مدير المدارس العسكرية.

وكان على رأس المناطق العسكرية التي اخترقتها قافلة الانقلابيين كل من:

- الجنرال بوغرين : رئيس منطقة فاس - تازة.
- الجنرال عبد الحي بلبصير : رئيس منطقة مكناس.
- الجنرال حمو أمحزون : رئيس منطقة الرباط - القنيطرة.
وكان على رأس عمالات الأقاليم التي مرّت عليها القافلة كل من:
صلاح زمراك : تازة.
عمر بنشمسي : فاس.
عبد الله الشرقي : القنيطرة.
عبد السلام الوزاني : الرباط.
ضمن كل هؤلاء تأكد، بما فيه الكفاية، تورط كل من الجنرال المذبوح والجنرال أوفقير والجنرال بوغرين والجنرال حمو أمحزون.


ضحايا طالهم الإهمال


بعد انقلاب الصخيرات، مباشرة، أمر الملك الراحل الحسن الثاني بإحداث لجنة للقيام ببحث، بخصوص الأحداث الدامية بقصر الصخيرات، ولجنة لرعاية الضحايا وإحصاء أملاك وأموال المتمردين قصد مصادرتها لتمويل صندوق جديد يضطلع بتعويض الضحايا وذوي الحقوق.

فعلا تم إحداث هذه اللجنة بعضوية كل من وزارة الداخلية ووزارة الشؤون الإدارية ووزارة الشغل والتكوين المهني، غير أن قراراتها ظلت حبرا على ورق. آنذاك كان الجنرال محمد أوفقير عضوا رئيسيا في كل اللجن المحدثة بعد فجيعة الصخيرات.

يوم السبت 10 يوليوز 1971، ما بين الساعة الثانية والرابعة زوالا سقط الكثير من الضحايا من مختلف الشرائح، عسكريون ومدنيون، جنرالات، أطباء وموظفون سامون وفنانون وخدم وأناس بسطاء، كانوا يعيلون أسرا متعددة الأفراد، أغلب هذه الأسر عانت من ضيق اليد رغم أن أربابها سقطوا وهم في ضيافة الملك أو أنهم كانوا يزاولون مهامهم في القصر الملكي.
وزادت حسرة هؤلاء بعد تناسل موجات الكشف عن الحقائق بخصوص المحاولة الانقلابية الأولى الفاشلة واعترافات المشاركين فيها بعد نجاتهم من جحيم تازمامارت، ويجمع ضحايا الصخيرات أن الدولة تناستهم وتخلت عنهم، وتجاهلت الحكومات المتتالية مطالبهم، بل إن حكومة عبد الرحمن اليوسفي لم تحترم مشاعرهم.

كما ظلت أسر ضحايا الصخيرات تعتبر أن منح تعويضات سخية، للناجين من جحيم تازمامارت، من الأخطاء التاريخية الجسيمة، اعتبارا لكون الأموال الممنوحة، تم اغترافها من الأموال العمومية اقتطع جزء منها من مال أسر ضحايا الصخيرات وذويهم كدافعي الضرائب، علما أنها لم تتوصل سوى بتعويضات هزيلة، بالكاد غطت مصاريف العزاء والدفن، ولا وجه لمقارنتها مع ما أغدقت به الدولة والحكومة على من كانوا سببا في ترميل نساء وتيتيم أطفال، وبذلك شعرت عائلات ضحايا الصخيرات بغبن عظيم نظر تعرضها لحيف وظلم كبيرين.

فأرملة كولونيل - أحد ضحايا الصخيرات - على سبيل المثال لا الحصر، لم تتوصل إلا بمعاش لا يتجاوز 1500 درهم، أما أرملة عمر غنام، مدير المركز السينمائي المغربي، فاستفادت من معاش لم يتعد 736 درهما شهريا.

بسبب الإحساس بالغبن سبق لجمعية ضحايا الصخيرات أن طلبت من دار الافتاء بالديار المصرية فتوى في الموضوع، وفعلا أصدرت الدار فتوى، أكد فحواها أن من له حق العفو عن قاتل النفس المؤمنة بغير حق، هم أولياء المقتول الشرعيين.وقد استندت الجمعية إلى هذه الفتوى لدعم دعواها المدنية والمطالبة بالحق المدني، سيما وأن الفتوى المصرية أقرت بأن الدعوى في جرائم القتل العمد لا تسقط بالتقادم.



فرحة غالية الثمن


عندما تلقى صاحب حانة شهيرة بشارع محمد الخامس بالرباط، خبر انقلاب الصخيرات، بادر فورا، على مرأى الحاضرين، إلى تكسير صورة الملك الحسن الثاني التي كانت معلقة فوق "الكونطوار"، ثم أمر بتقديم كل أنواع الخمور حسب طلب الزبناء الحاضرين في البار لحظتئذ، مجانا، تعبيرا عن فرحته واستبشاره بما وقع، إلا أن فرحته لم تكتمل، إذ اضطر للفرار من قبضة الأمن شهورا بعد ذلك.
وعند إحداث الهيئة الأولى لتعويض ضحايا سنوات الجمر والرصاص، قدم هذا الأخير طلبا للتعويض، بخصوص ما لحقه من خسائر وعن المدة التي قال إنه قضاها بإحدى المعتقلات السرية، إلا أن طلبه قد تم رفضه من طرف الهيئة الأولى، وكذلك من طرف هيئة الإنصاف والمصالحة، معتبرة أن هذه النازلة لا تدخل في اختصاصاتها. وقد تحول "البار" المذكور حاليا إلى متجر لبيع الحلويات والمشروبات.


سقوط 60 بالمائة من جنرالات المغرب خلال ثلاثة أيام


فيما بين 10 و 13 يوليوز 1971 لقي 9 جنرالات من أصل 15 حتفهم، إما عن طريق رصاص المتمردين أو برصاص فرقة الإعدام بمعسكر مولاي إسماعيل بالرباط.

ومن بين الذين لقوا حتفهم بقصر الصخيرات، هناك الجنرال إدريس النميشي (سلاح الجو)، الذي قتله المتمردون، والجنرال الغرباوي الذي قتله اعبابو، الذي لقي هو الآخر حتفه على يد الجنرال الهواري، أما الجنرال المذبوح، فمقتله شكل حالة خاصة.

عشية فشل الانقلاب، تم اعتقال، الجنرالات المشكوك بأمر مشاركتهم أو مساندة المتمردين، وخضعوا جميعهم لتحقيق سريع، أشرف عليه الجنرال محمد أوفقير بعد أن منحه الملك الحسن الثاني جميع الصلاحيات العسكرية والمدنية. في اليوم الثالث، بعد مجزرة قصر الصخيرات، رافق الجنرال أوفقير الجنرالات المعتقلين إلى ثكنة مولاي إسماعيل بالرباط للإشراف على تنفيذ إعدامهم دون محاكمة.

وفي ظرف أقل من ثلاثة أيام فقد المغرب 9 جنرالات (منهم من سقط على يد المتمردين ومنهم من أعدم)، أغلبهم من أصول أمازيغية، وقد تابع المغاربة مراسيم إعدامهم على شاشة التلفزة مباشرة، كما حجت جماهير غفيرة بإيعاز من السلطات المحلية لمعاينة مراسيم إعدام 4 جنرالات، هم بوكرين وحبيبي وحمو ومصطفى و4 كولونيلات والكومندار إبراهيم المنوزي، وأغلب هؤلاء لم تكن تربطهم أدنى علاقة بالهاجس السياسي، حيث سبق أن ساهموا في قمع التحركات النضالية الجماهيرية بمختلف أرجاء المملكة.


محمد لومة / أحد قدماء مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية


محمد لومة أحد قدامى مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، رحل إلى الشرق العربي لتلقي تكوين عسكري متقدم، سيما في تخصص "حرب العصابات"، تخرج من الكلية الحربية السورية في شتنبر 1971، ثم التحق بالعمل الفدائي يحمل معه هاجس تغيير النظام السياسي بالمغرب عن طريق القوة المسلحة.

أجرينا معه هذا الحوار للمزيد من تسليط الضوء على بعض الجوانب المعتمة من عملية الانقلاب الأولى الفاشلة، بوصفه ـ من جهة ـ كاتبا وباحثا تقصى أحداث هذه العملية واتصل بأعضائها المشاركين عن قرب، كما اطلع ـ من جهة أخرى ـ على جملة من الوثائق المتصلة بهذه النازلة.


- أين كنت يوم حدوث انقلاب 10 يوليوز 1971؟

+ مساء هذا اليوم المشؤوم كنت بأحد مرافق الكلية الحربية السورية في مدينة (حمص) حيث تلقيت دراساتي العسكرية للتخرج منها كمهندس عسكري، ففوجئت باقتحام القاعة من طرف مجموعة من الضباط السوريين الذين اتجهوا نحوي وهم يهتفون ببشاشة.. لقد كان هؤلاء القوم على مدى ثلاث سنوات قضيتها هناك، نموذجا للقسوة والصرامة تجاه كافة الطلبة الضباط، الذين سرعان ما أخرجوني إلى ساحة الكلية محمولا على الأكتاف وهم يرقصون ويغنون عاليا:
على دا العونا.. وُعَلى دَا العُونَا... إلخ.. مقطعا من الغنوة الشامية الشهيرة..
ثم أخبروني بعد ذلك بأن الوضع السياسي في المغرب قد تغير.. لم يكن بحوزتي جهاز راديو لمعرفة التفاصيل لكنهم تطوّعوا، فأحضروا الجهاز.. مؤكدين بإلحاح:
- أُولَكْ يا زلمي.. ضَبّْ أغْرَاضَك.. شُو نَاطِر..؟ (يا رجل.. تحرك.. إجمع أغراضك الشخصية)
- وُلَكْ بُكرة بعيِّنوك وزير دفاع.. أُولك خلِّصنا بقى!! (إذا سيعينونك وزيرا للدفاع.. تحرك.. تحرك).

عند الصباح الباكر لليوم الموالي، جاءت العاصفة على لسان قائد الكلية الحربية السورية المقدم ناصر الدين محمد ناصر، الذي سرعان ما أصبح لواء ثم وزيرا للداخلية في سورية.. لقد طلبني باستعجال ليوبِّخني وبعنف شديد قائلا:
- أُولَيكْ الله لا يعطيكم عافية.. أُولك لِيشْ فَشَلْتُو؟
شرحت له الأمر في حدود ما أعرف:
- سيدي.. هادول مُوجَمَاعَتْنَا.. هَادُول مرتزقة حروب في الهند الصينية والكامبودج والجزائر.. إلخ. ومو وطنيين.. ولا قوميين.. وأنا ما إلي علاقة بيهم.

- صرخ في وجهي:
أُولّكْ يا أخي بدِّي أفهم.. هَادُول مُوعَسْكَر؟
أجبت بالتأكيد عسكر.. فعقَّب غاضبا كالإعصار:
- أُولَكْ.. عَسْكَر بَطَاطَا.. أولك 1400 عسكري وبيطلعوا على الفاضي.. اشرح لي كيف صار ها الشيء؟
أمرني بالانصراف لعجزي عن تقديم ما يرغب من معلومات إضافية.. ثم عدت إلى رفاقي.. منتظرا حفل التخرج الذي أقيم تحت إشراف رئيس الجمهورية الفريق حافظ الأسد لأتخلص من هذا الكابوس.. لقد كنت المغربي الوحيد آنذاك في الكلية وكان الجميع يتوجهون لي بالأسئلة والاستنكارات والشجب، كما لو أنني كنت المسؤول الأول عن هذه الحماقة...آنذاك كانت السفارة المغربية في دمشق قد أغلقت بسبب إحراقها، بعد جريمة اغتيال الشهيد المهدي بنبركة في أكتوبر 1965... فبقينا نحن هناك ـ مناضلو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المتواجدون آنذاك بالديار السورية ـ وحدنا المخاطبون على كل المستويات حتى سنة 1971.


- ككاتب تقصيت كثيرا بخصوص المحاولة الانقلابية الأولى واتصلت بالعديد من الأشخاص واطلعت على جملة من الوثائق، كيف كانت الوضعية في قصر الصخيرات قبل الهجوم وبعده؟

+ منذ العاشرة صباحا ليوم السبت 10 يوليوز 1971 وسيارات المدعوين تصل تباعا إلى القصر الملكي بالصخيرات، تحمل ركابا أنيقين، يرتدون حسب التعليمات (البروتوكول) ملابس صيفية خفيفة دون ربطة عنق، أغلبها، عبارة عن قمصان حريرية ذات أكمام قصيرة.

وبينما كان الكاتب والصحفي المعروف بونوا ميشان (Benoit Méchin)، الذي اعتادت مصالح التشريفات دعوته سنويا لحضور هذه المناسبة، متجها إلى قصر الصخيرات عبر الطريق الشاطئية، حيث لاحظ عددا كبيرا من الشاحنات العسكرية المليئة بالجنود تسير في نفس الاتجاه، ولعل أكثر ما استرعى انتباهه أن أغطية الشاحنات كانت مرفوعة وقد بدا كل جندي على متنها ماسكا سلاحه بحزم وهو في وضعية تأهب!

وبحكم تجربة الرجل السابقة في العراق حين سقوط النظام الملكي صيف 1958 والتي عاش فصولها أولا بأول.. بدا له أن الأجواء في الرباط خلال ذاك اليوم غير اعتيادية ورأى أن عليه الإسراع بسيارته للوصول إلى القصر ولو ربع ساعة قبل وصول الشاحنات العسكرية لإنذار الملك من مغبة ما سيقع.. وقد استطاع أن يَعُدَّ لوحده ما عَدَدُهُ (63) شاحنة تحمل مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة ممتدة على حوالي كيلومتر تتحرك بسرعة (في حدود 50 كلم/ الساعة).


- هل تمكَّنَ من إخبار الحسن الثاني بذلك؟

+ رغم أنه استطاع الوصول إلى القصر، لم يتمكن من الوصول إلى الملك، الذي كان يتناول غذاءه حوالي الثانية زوالا رفقة الأمير سلطان بن عبد العزيز والحبيب بورقيبة الابن والأمير مولاي عبد الله وغيرهم من كبار الشخصيات الوطنية والدولية.. كما باءت كافة محاولاته للعثور على الجنرال حفيظ العلوي مدير التشريفات الملكية بالفشل الذريع... فأسلم أمره للقدر.. حيث سيتمكن بعد ذلك في كتاب صدر له بعنوان: (Deux Etés Africains) من رصد كافة أشواط المذبحة الفظيعة التي حدثت هناك.

ذلك اليوم عبر الانقلابيون بشاحناتهم و"جيباتهم" المسلحة شارع الحسن الثاني مخترقين العاصمة، وكان اليوم يوم سبت مما زاد من درجة اكتظاظ المرور، وصولا حتى الطريق الساحلية المؤدية إلى الصخيرات، وعلى جسر وادي "نفيفيخ" قام رجال الدرك الملكي هناك بتوقيف السيارات المدنية لإفساح الطريق أمام موكب "الانقلابيين"، وهذا ما أخر "بونوا ميشان".

كانت الموائد قد مُدَّت وعليها ما طاب من مختلف صنوف الأكل، قبل ذلك استغلت، بعض الشخصيات الفرصة لممارسة السباحة أو الكولف.. والفرق الموسيقية تشنف الأسماع، علما بأن عددا هاما من نجوم الطرب العربي كانوا قد أطّروا الحفل الموسيقي الساهر ليلة قبل ذلك، من بينهم: صباح وفريد الأطرش، محمد عبد الوهاب وعفاف راضي، عبد الحليم حافظ وغيرهم (...).

كانت السحب قد بدأت في الانقشاع عن سماء الصخيرات عندما كانت أفواج الشاحنات العسكرية المسلحة تشق طريقها من بوقنادل إلى الصخيرات، إذ كانت السماء ذلك اليوم مكسوة بغيوم كثيفة منذ الساعات الصباحية الأولى.

ولدى سماع أولى العيارات النارية، تهامس البعض ضاحكين: إنها واحدة أخرى من (مقالب) الأمير مولاي عبد الله.. فقد عوّدنا على مثل هذه المفاجآت؟! فردّ أحد السّفراء ناقما: إذا كان الأمر كذلك فهو أسوأ مقلب يمكن تنظيمه..

وعلى ذكر السفراء، أصيب سفير إحدى دول أمريكا اللاتينية لدى المغرب بالرعب الشديد.. وكان يحمل رتبة جنرال فلم يجد مكانا يختبئ فيه سوى برميل للنفايات (من النوع القديم)، لا يستطيع إيقاف طلقة نارية واحدة من المرور في الاتجاهين معا.. فتأكد فيما بعد لجميع الناس بأنه من نوع جنرالات (الكولف) و(كرة القدم).. وما شاكل!!؟

أما عميد الشرطة بودريس، الذي كان من المكلفين بالأمن الشخصي لصاحب الجلالة فقد لجأ بدوره إلى برميل آخر للنفايات بعد أن أطلق على إحدى قدميه رصاصة من مسدسه الشخصي.. وحينما حاول الناس إخراجه بعد انتهاء هبوب "العاصفة"، وجدوا عناء كبيرا بسبب ما كان عليه الرجل من بدانة مفرطة!.. وجاء من الخدم من سيشهد طواعية بأنه هو من أطلق النار على نفسه.. وذلك تفاديا للإحراج مادام قد خاف وفضل الاختباء عوض القيام بمهمته، لكن ذلك لم ينفعه، إذ سرعان ما تم استبداله بعميد آخر بعد حوالي سنة في نازلة طائرة البوينغ الملكية (727) مساء يوم 16 غشت 1972.

شخصيا، لا أريد العودة إلى ما كتبه كثير من الذين عاينوا هذه المجزرة البشعة.. فللقارئ الكريم الراغب في الإطلاع على المزيد من تفاصيلها العودة إلى مؤلفات عبد الهادي بوطالب وعبد اللطيف الفيلالي وبينوا ميشان وغيرهم. لكنني أريد لفت الأنظار إلى الحالة "الهستيرية" التي كان عليها تلاميذ مدرسة اهرمومو، الذين أُصِيبُوا بالذهول والانبهار.. وهي المشاعر التي سرعان ما تحولت إلى سعار دموي بإطلاق النار في كل اتجاه.. جعل هذه المخلوقات تتحول إلى "قطعان" حقيقية بشعة :
- منهم من انصرف إلى أكل ما لذ وطاب من مأكولات لم يتذوقوها يوما في حياتهم.. للأسف وسط الدم والشظايا والأنين!!

- منهم من شرع في سلب المدعوين أموالهم وساعاتهم اليدوية وحليهم.. إلخ.
ومنهم من وقف مبهورا أمام زرقة البحر، وتناسق المعمار في جنبات القصر مما لم يشهد له مثيلا من قبل، سيما هؤلاء أبناء المناطق الجبلية والصحراوية ممن لم يعاينوا بحرا من قبل... لا بل إن المساعد الأول (خرخاش) أسرع إلى تجميع أنبوب بلاستيكي ضخم يستعمل في سقي ملعب الكولف بالقصر الملكي، وهو يعتزم إحضاره إلى مدرسة اهرمومو.. كما كان يفعل دائما تحت إشراف المساعد عقا.. كما لو أنه هذه المرة جاء في نزهة بسيطة ستنتهي كما بدأت وليس بصدد محاولة انقلابية، دموية، لها ما بعدها!!؟

خلال ذلك اليوم استطاع أحمد رضا كديرة الفِكاك من الفخ، حيث غادر القصر قبل الساعة الثانية زوالا رفقة الملازم الصفريوي، وقد تسبب إطلاق النار عشوائيا في تفكيك مجموعة حلقات المخطط الذي وضعه الجنرال المذبوح، وهكذا بدل أن تنقسم القوات المهاجمة إلى ثلاثة أقسام، أولها لمهاجمة القصر، وثانيها للاستيلاء على هيئة الأركان العامة، وثالثها للسيطرة على مقرات وزارة الداخلية والإذاعة والتلفزة.. بدل ذلك اختلط الحابل بالنابل، فلم يعد ضباط الكوماندوهات يسيطرون على تلامذتهم، ليغدو السعار الدموي هو سيد الموقف.


- كيف كانت نوعية تسليح "الكوماندوهات" المسلحة؟

+ لقد كان التسليح قويا بل غريبا، في ضوء قواعد التدريب المعمول بها في مدارس مماثلة، ذلك أن عددا كبيرا من التلاميذ –الضباط، كانوا لا يزالون في السنة الأولى من التكوين، يجهلون استعمال السلاح جهلا تاما.. حسب تصريحات أحد قادتهم، الملازم أحمد المرزوقي (قائد الكوماندو 12)..

وكانت هذه الأسلحة – حسب محضر الإدارة العامة للأمن الوطني المؤرخ في 17 يوليوز 1971، والذي حُرِّر بإشراف عميد الشرطة محمد المعزوزي والكابيتان عبد المومن من هيئة الأركان العامة للجيش - عبارة عن:

أ- الأسلحة الثقيلة:
1 مدفع عيار 75 ملم – عديم الارتداء.
1 مدفع هاون عيار 120 ملم.
4 مدافع هاون من عيار 81 ملم.
8 مدافع هاون عيار 60 ملم.
7 رشاشات ثقيلة عيار (12.7 ملم).
- عدد كبير من الرشاشات الثقيلة (A. A. 52) و(29/24-F.M).
ب- الأسلحة الخفيفة (حوالي 1200 بندقية ورشاشة)، منها:
- بنادق: MAS – 36
- بنادق: N.L.G
- رشاشات (MAT -49) و(5-35 D.A)..
- كمية من قاذفات الصواريخ ضد المصفحات والدبابات.
- عدد كبير من مسدسات نوع "بريطا".
- كمية كبيرة من القنابل الهجومية والدفاعية، كما تم استعمال أكثر من 40 شاحنة وناقلة وأكثر من 20 ألف لتر من الوقود وكميات كافية من الغذاء.


- هل تم فعلا استخدام هذه الأسلحة؟

+ لو استعملت هذه الأسلحة في قصر الصخيرات لأدى ذلك إلى هلاك حوالي ألف شخص، ولدُمِّّرت مرافق القصر عن آخرها بقذائف المدفعية وشظاياها.. لكن الأخطر من كل ذلك، أن المقدم امحمد عبابو، أعطى لقواته المسلحة منذ خروجها من بلدة (بوقنادل) الأمر القاطع والصارم بـ:

1- رفع أغطية الشاحنات والسيارات العسكرية استعدادا لخوض المعركة.
2- تلقيم كافة أنواع الأسلحة، ووضعها في حالة الاستعداد، باعتبار أن القوات ستدخل "منطقة معادية" عبر المرور بمدينتي سلا والرباط!!؟

فلو حصل اشتباك بين هؤلاء وأية قوة عسكرية أخرى، بين بوقنادل والصخيرات، لكان حجم الخسائر بآلاف الضحايا، سيما وأن بعض تلاميذ مدرسة أهرمومو كانوا لا يزالون "أغرارا"، بمعنى أنهم لم يستوعبوا بعد حمل السلاح والمناورة بالنيران... وهكذا سنجدهم في الصخيرات يطلقون النار على كل ما تقع عليه أعينهم، بل لقد وصلوا إلى حد التراشق بالرصاص في ما بينهم.. كما لو أنها نوع من ألاعيب (عاشوراء)، يا سبحان الله!

لقد سجل المقدم امحمد عبابو على نفسه صبيحة يوم 10 يوليوز 1971 حماقات خطيرة لا تخطر على بال، عرَّض خلالها آلاف الأرواح للخطر الداهم دون أي ذنب اقترفوه.. لا لشيء.. فقط من أجل رغبته في توسيع مجال نفوذه وسلطته.. وهو لا يزال ابن الـ 32 سنة أتى من مدرسة عسكرية نائية، ما كان ليتصور أحد أن تنتقل بقوتها النارية الكبيرة إلى قلب عاصمة البلاد.. أقول.. كان ينوي ضَمِّ مساحة نفوذه من مدير مدرسة عسكرية إلى مساحة الوطن المغربي بكامله... بكل مؤسساته الدستورية والسياسية والنقابية والتربوية..؟!


- بعد أن فشلت المحاولة وتم القبض على زمام الأمور بعد هذه المجزرة الدامية، كيف كانت مواقف الملك الحسن الثاني؟

+ لقد حضر صديقه الملك حسين، مهرولا من عمان، مزودا بما في جعبته من نصائح صارمة.. في ضوء ما عاناه على مدى عام كامل.. بعد أحداث سبتمبر 1970 في عمان ثم اشتباكات جرش وعجلون في يوليوز 1971.. وقد حضر كالمعتاد متمنطقا بمسدسه (سميت إندونسن) وبلباسه العسكري.. ليصر أولا على إعدام كل المتورطين في أحداث الصخيرات.. ولكن الجنرال أوفقير هو من قدم الضحايا وقرر مصيرهم دون تقديمهم للمحاكمة قبل ذلك، وقد تميزت هذه المذبحة أيضا بتصفية حسابات شخصية.. فكان يشرف على إعدامهم باكيا.. كما سيفعل لاحقا صدام حسين في حق قادته من حزب البعث العربي الاشتراكي بإعدام شخص من مستوى عبد الخالق السامرائي.. كما يفعل عادة "التمساح" قبل الانقضاض على ضحيته!!؟

بعد ذلك سيسارع الحسن الثاني إلى إطلاق سراح سعيد بونعيلات وبنموسى الإبرايمي في 15 ماي 1972، ليباشر حوارا مفتوحا مع الكتلة الوطنية التي تشكلت قبل ذلك في يوليوز 1970.

... بالفعل كان المذبوح يسير في نفس الاتجاه، إذ لا خيار له، وقد سار معه الحسن الثاني مكرها، لكن بخطوات، ثقيلة وحذرة.. ستقوده إلى محاولة انقلابية ثانية، لأنه لم يسرع الخطى كما يجب، فاكتفى بالمناورة من وراء حجاب، وهو الرافض دوما لتقديم أية تنازلات من باب الضغط، فكان أن عرض نظامه السياسي بالكامل لأفدح المخاطر بعد ظهر يوم 16 غشت 1972.


- ماذا يمكنك أن تقول بخصوص طريقة القيادة المعتمدة في الانقلاب وتجانسها؟

+ أريد أن أسجل – بداية – بأن كلا الرجلين، المذبوح واعبابو، كانا يقفان الواحد منهما بعيدا عن الآخر على مسافة كبيرة ـ فكرا وتربية ونهجا وتجربة ونضجا كذلك ـ بحكم عدد هام من المعطيات التي تتصل بشخصيتيهما.

فالمذبوح، زاول قبل ذلك مهاما مدنية وعسكرية متنوعة، كان أبرزها توليه عاملا على إقليم ورزازات بعد الاستقلال مباشرة، ثم عمل وزيرا للبريد في حكومة عبد الله إبراهيم المُشكلة في دجنبر 1958.. غير أنه سرعان ما سيقدم استقالته منها، بضغط من الحسن الثاني ولي العهد آنذاك، ضمن محاولة لإسقاط الحكومة.. وكانت الذريعة المقدمة هي الاحتجاج على مضمون البلاغ الصادر عن مؤتمر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب المنعقد في أكادير سنة 1959، والذي فهم منه أنه تضمن قذفا في حق مؤسسة الجيش الملكي.. علما بأن المذبوح لم يكن يحمل سوى رتبة قبطان وقتها، ولم يقدم أي من الجنرالات استقالتهم سوى المذبوح! بعد ذلك شغل منصب عامل على الدار البيضاء.. وقد ارتبط اسمه بالمحاولة (الانقلابية) للحركة الاتحادية في 16 يوليوز 1963، ويقال بأنه سارع إلى الإخبار بها بعد أن سبقه إلى ذلك مصطفى العلوي، ابن شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي، وقد جرى التعامل معه في ضوء ذلك كشاهد إبان البت في هذه القضية.

وعلى الرغم من إصدار 14 حكما بالإعدام في حق المتهمين خلال مارس 1964، ظل الفقيه البصري وعمر بنجلون – المحكوم عليهما كذلك بالإعدام في هذه القضية – يذكران المذبوح بكل خير.. وينوهان بنظافته ووطنيته.. وقد أكدا مرارا لرفاقهما في السجن بأن هذا الشخص سيقوم – يوما ما – بعمل وطني كبير!!



- ما هي الأسباب التي دفعت الجنرال المذبوح إلى التخطيط للانقلاب؟

+ إن عددا هاما من المصادر أجمعت على أن من بين أسباب قيام المذبوح بهذه المحاولة الانقلابية اكتشافه، وهو يقوم بزيارة للولايات المتحدة الأمريكية في مطلع سنة 1971 للتحضير لزيارة الحسن الثاني المقررة آنذاك في شهر أبريل، اكتشف ضمن بعض الوثائق كيف أن أشخاصا نافذين في المحيط الملكي طلبوا رشوة قيمتها (600) مليون سنيتم لتسهيل بناء فندق (شيراطون) بالدار البيضاء، كما اكتشف أن بعضهم يمارس نشاط تهريب المعادن النفيسة.. فعاد من هناك وهو مصمم على فعل شيء لوقف الفساد المستشري في أعلى هرم الدولة.

وسيكتشف الملك الحسن الثاني بعد وفاة المذبوح كيف أنه لم يكن يتصرف في الإكراميات المالية الضخمة التي كان الملك يقدمها له، إذا كان يحتفظ بها ضمن مغلفاتها الأنيقة دون أن تمتد يده إليها لمجرد معرفة المبالغ التي تتضمنها!!؟ دلالة على أن الرجل كان عصيا على قبول مثل هذه الأساليب التي درج عليها النظام لترويض رجالاته وشراء سكوتهم وتواطئهم.

وذات مرة، تلقى الملك الحسن الثاني تقريرا سريا، مضمونه أن الجنرال المذبوح يدبر انقلابا ضده.. وكان وقتها يلعب (الكولف) بملعب دار السلام بالرباط.. فما كان منه سوى أن بعث في طلب المذبوح ليقول له علنا: هل صحيح ما ينسبونه لك في هذا التقرير.. يا مذبوح؟ ثم انصرف إلى رياضته بلا مبالاة، ولم يعد إلى الحديث حول هذا الموضوع أو إثارته من جديد.

أما شخص المقدم امحمد عبابو، والذي لم تمض على ترقيته من كوماندان إلى ليوتنان كولونيل سوى أقل من أربعة أشهر فقد كان رجلا عسكريا بالكامل، لم يعرف له أي نشاط سياسي أو وطني، أو حتى مجرد اتصال بالأحزاب السياسية المغربية طوال حياته، ولكن طموحاته الشخصية كانت لا تعرف أية حدودّ.

فعدا تفوقه في تخصصه العسكري (المشاة) وذكائه وقوة شخصيته وحرصه الدائم على تطوير برامج التكوين العسكري في مدرسته بأهرمومو، وفي ملحقتها بمدينة صفرو، وهي كلها إيجابيات تسجل لصالحه بدون نزاع، لم يعرف عنه أي اهتمام آخر.


- كيف ترى الفرق بين الجنرال المذبوح والمقدم اعبابو؟

+ بكل "موضوعية" ما يجعلنا نعتقد حقا بأن الجنرال المذبوح؛ بقوة شخصيته، واتزانه، ونظافته ووطنيته، قد أخطأ اختيار الرفيق، رفيق الدرب، في شخص امحمد عبابو، والذي تميز مساره المهني بالعديد من الخروقات الفظيعة والممارسات اللا أخلاقية، والتي يمكن إيجازها في ما يلي:
أولا: للتجاوب مع طموحاته العسكرية الواسعة، سعى اعبابو، وهو لا يزال في رتبة رائد (كوماندان) إلى رفع تعداد التلاميذ في مدرسته من 300 إلى 1.000 ثم إلى 1.500 تلميذ، دون موافقة المكتب الثالث لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، والذي كان له حق الإشراف على كافة مؤسسات التكوين العسكري في البلاد، بتخصصاتها الجوية والبرية والبحرية.

وللتغلب على المشاكل المادية الكثيرة المتعلقة برفع طاقة المؤسسة إلى أضعافها من حيث المرافق والتجهيزات والتغذية.. إلخ.. لجأ الرجل إلى تكوين (كوماندوهات)، خاصة من ضباط وضباط صف المؤسسة، تحت إشراف مساعده (عملاق الحرب العالمية الثانية) المساعد الأول أمهروش عقا.. فقد كانت هذه المجموعات تقوم – وهي بكامل أسلحتها وتجهيزاتها وشاحناتها - بالسطو ليلا على ممتلكات المواطنين من: مواد البناء وتجهيزاته ومعداته الغالية الثمن والمواد الغذائية والمواشي والأغنام ومواد التجهيز والسيارات والشاحنات والغلال.. إلخ.

وبالتأكيد ساعدت أعمال "البَلْطَجَة" هذه في بناء مرافق جديدة بالمدرسة، والتزود بتجهيزات حديثة من مسابح وملاعب (...)، غير أن بعضها "صُبَّ" في حساب المدير، بحيث غدا في ظروف وجيزة مالكا لفيلا فخمة بمكناس ومؤسسة فندقية ومقهى بنفس المدينة، ولضيعة فلاحية مع عدد من القطع الأرضية، ناهيك عن سيارتين... إلخ ولم تمض على ذلك بعد خمسة عشر عاما على التحاقه بالجندية!!؟

ثانيا: أصبح الرجل عند تكوين "بطانة" من الأتباع الطيعين الذين لا يعصون له أمرا، يستغل الطابع العسكري الصرف لمؤسسته، وذلك في أفق الاستعانة بهم في تنفيذ "مشاريع" مستقبلية على مقاسه الخاص!!

ثالثا: درج كذلك، رغم أنه متزوج وله أبناء، على استقبال صديقاته داخل المدرسة وعلى تنظيم الولائم الباذخة للضباط الكبار بما لم يكن يتلاءم مطلقا مع مستوى عيش وتغذية تلاميذ المؤسسة آنذاك؟!
كما أن أساليبه في "البَلْطَجَة" وصلت حد الاعتداء على المقابر، فحسب روايات بعض الضباط، أمر ذات مرة بهدم قبور اليهود في مدينة صفرو، للاستفادة من أخشابها في أعمال البناء بمدرسته!!


فأية روابط فكرية أو سياسية أو مسلكية يمكن أن تجمع بين كل من الجنرال المذبوح والمقدم امحمد اعبابو؟!

بالتأكيد، الفروقات كانت فادحة، وقد أدت بالطبع إلى مصرعهما معا في نفس اليوم وبطريقة شاذة، كما لو كانا من لصوص المواشي (كاوبوي).

أما باقي الضباط الانقلابيين ممن جرى إعدامهم يوم 13 يوليوز 1971، والذين لم يتم "إقناعهم" بالانضمام إلى الحركة الانقلابية الجديدة، سوى بعد الساعة الرابعة ظهرا من يوم 10 يوليوز 1971، فقد كانوا قبل هذه الساعات يتحدثون (بالفَمِ المليان) عن الانقلاب، وضرورة التغيير!! وكانوا يمارسون ذلك في محلات عمومية مفتوحة كبارات (كيوم تيل) و(لاكوميدي) بالرباط، وحانات مماثلة في القنيطرة ووجدة والدار البيضاء.. إلخ.. بمعرفة كافة الأجهزة الأمنية.

.. هؤلاء الانقلابيون أيضا كانوا على جانب كبير من الفساد والانحلال والتهتك، وما من شيء يجمعهم بالجنرال محمد المذبوح.

.. شخص واحد أعدم ظلما وعدوانا بسبب انتفاء أية علاقة له بهؤلاء، هو المناضل الكبير الكوماندان إبراهيم المانوزي، أحد قادة هيئة أركان جيش التحرير المغربي إبان الخمسينات، الذي وصلت قواته ذات يوم من سنة 1957 إلى منطقة (أطار) الموريتانية، بعد أن نجحت في دك معاقل الإسبان بكل من طاطا وفم الحسن وكولميم حتى شمال موريتانيا وتندوف... وكثيرا ما كان أخوه المرحوم سعيد المانوزي يطلعني على خرائط حربية تخص تلك المرحلة.

هذا الضابط الوطني الكبير، كان الجنرال محمد أوفقير يتوعده بالتصفية قبل ذلك، ولم يستطع الزج به في معتقل دار المقري إلى جانب الهاشمي الطود وعمر غاندي والفقيه البصري وبولحية الطاطي (اعتقالات يوليوز 1963)، إذ ظل يترصده حتى قامت أحداث يوليوز 1971، فبعث في طلبه للاعتقال، وكان حينذاك بلباس النوم في بيته وبين أولاده، مع أنه لم يكن له أي اتصال بهؤلاء القوم.. لسبب بسيط هو أن معظم هؤلاء الضباط، كانوا في صفوف اللفيف الأجنبي كمرتزقة منذ الحرب العالمية الثانية، وكانوا في سلوكهم وأخلاقهم على النقيض من شخصية إبراهيم المانوزي ووطنيته العالية، مما كان يثير أحقاد أوفقير تجاهه، فظل ينتظر الفرصة، لكنها جاءت غير ملائمة هذه المرة لتصفية حساباته الإجرامية.. غير أنه سرعان ما سيقتل هو أيضا (ككلب حقير) بخمس رصاصات غادرة، على حد تعبير ابنه رؤوف أوفقير، والذي وصف الحادث رسميا على أنه انتحار تلقائي، حسب بلاغ وزارة الداخلية آنذاك (17 غشت 1972).

الجنرال المذبوح إذن وضع بيضه كاملا في سلة (فاسدة) و(متهورة) فكان ما كان.. والأخطر من كل ذلك، لم يباشر اتصالاته برفاقه الاتحاديين القدامى، الذين كانوا ينتظرون منه هذه المبادرة، بل لقد كانوا يبشرون بها بين أنصارهم.
فهل الاستيلاء على مقاليد الحكم في البلاد آنذاك كان لا يستحق عناء التنسيق مع اليسار وقتئذ؟
وهل مجرد إصدار التعليمات بإطلاق سراح (170) مناضلا اتحاديا من سجن بولمهارز بمراكش وتلكؤ العامل عن تنفيذ هذه التعليمات، هل كان ذلك كافيا لحماية وتطوير ودعم الحركة الانقلابية الجديدة؟


- ماذا تقول عن الموت المبكر للجنرال المذبوح؟

+ لقد أخبرني بعض الضباط الذين شاركوا ضمن هذه التجربة المريرة، وأفلتوا من جحيم (تازمامرت)، بأن تأخر وصول تلامذة (أهرمومو) ومدربيهم إلى قصر الصخيرات في الوقت المحدد، قد وتر أعصاب المذبوح، وجعل الشكوك تراوده بخصوص احتمال قيام اعبابو بالوشاية به إلى الملك، لذلك سارع إلى إرسال شخصين لمقابلة اعبابو (وهو لا يزال في طريقه إلى القصر) لتبليغه أمر التأجيل، وضرورة متابعة طريقه نحو ابن سليمان لتنفيذ المناورة وكأن شيئا لم يكن، مؤكدا له: لقد تجاوزت التوقيت الزمني المتفق بشأنه ومن الأفضل تأجيل العملية إلى وقت آخر.

غير أن اعبابو بدوره – والذي قضى الأيام الأخيرة بلياليها في التحضير لهذه العملية – فاض به الكأس، إذ لم تمر سوى بضعة أسابيع على تأجيل العملية السابقة ليوم 14 ماي 1971، والتي كان قد حشد لها 15 كوماندو مسلح.. قد شك بدوره في أن يكون المذبوح قد وشى به، فقرر متابعة التنفيذ مهما كلف الأمر.


- ما هي التعليمات الأصلية التي أوصلها الجنرال المذبوح إلى اعبابو قبل بعث توصيات التخلي عن المحاولة؟

+ كانت تعليمات الجنرال المذبوح إلى اعبابو تنص بدقة على ما يلي:
- الحرص على الوصول إلى البوابة الغربية لقصر الصخيرات على الساعة الواحدة زوالا (أي قبل الشروع في وجبة الغذاء).
- الحرص على عدم إطلاق النار.
- الشروع بمجرد تطويق القصر في اعتقال كافة الحاضرين، مع الاستعانة بمكبرات الصوت لدعوة الجميع إلى رفع الأيدي عاليا والاستسلام بدون قيد أو شرط

- مباشرة عملية فرز الأشخاص المعتقلين ، لتقسيمهم إلى ثلاثة مجموعات:
أ‌- المجموعة الأولى (والتي ينبغي إعدامها فور الاتفاق في عين المكان بين المذبوح واعبابو) وتتألف من: - الملك الحسن الثاني – ولي العهد – الأمير مولاي عبد الله – الجنرال الغرباوي – الكولونيل أحمد الدليمي – إدريس السلاوي مدير الديوان الملكي – الجنرال البوهالي الماجور العام للقوات المسلحة الملكية.
ب‌- المجموعة الثانية: وتتألف من جميع أعضاء الحكومة والجنرالات الحاضرين، وهؤلاء يتم سوقهم إلى هيئة الأركان العامة بالرباط لتحديد مصيرهم لاحقا.. واحدا.. واحدا.
ج - المجموعة الثالثة: وتتألف من باقي المدعوين، مغاربة وأجانب، والذين سيجري الإفراج عنهم بعد تنفيذ ما سبق ذكره.

.. وهكذا ما كاد أن يتقابل الرجلان – المذبوح واعبابو – حتى بدأ هذا الأخير يصرخ عاليا: وَافَايْن هُوّا (...) وسير خرّجُو لعندي.. وأنا راه غادي نبيع جلدي غالي.. إلخ (علامة على تدهور عنصر الثقة بين الرجلين)!
وبينما كان المذبوح، يذهب ويجيء بين مكان وجود الملك واعبابو، عسى أن يحل الإشكال بطريقة أو بأخرى، كان عبابو يزداد هياجا، وسط إطلاق الرصاص والرمانات اليدوية لمجموعاته، وكان يصيح:
- اقتلوا الخونة.. اقتلوا الخونة.. وعاش الملك!!؟

في هذه الأثناء، رفض الملك الخروج وطالب المذبوح بإحضار عبابو أمامه لاستفساره عما يطلب، كما رفض اعبابو التوجه لمقابلة الملك بدون رجاله وفيهم مساعده العملاق عقا.. وبينما كان الدكتور بنيعيش – الطبيب الخاص للملك – يقوم بإحضار رشاشة حربية للملك من غرف النوم، وكانت قد أهديت له قبل ذلك من طرف إحدى الشخصيات الأجنبية، شك اعبابو في الأمر وطالب بنيعيش بتسليم السلاح فورا، غير أن بنيعيش كان قد دخل في حوار مع الجنرال المذبوح، وهنا جاءت صلية من الرصاص (Rafale) على يد أحد التلاميذ ـ الضباط في اتجاه كل من المذبوح وبنيعيش ليسقطا معا.. أمام أنظار اعبابو والقبطان الشلاط والمساعد الأول عقا، وهنا توجه اعبابو نحو جثة المذبوح معلقا بالفرنسية:

Oh, Mon oncle, C es dommage pour vous, général Medbouh))، ويضيف المقدم محمد عبابو في محضر استنطاقه بعد اعتقاله: (... ولقد علمت من خلال ضابط الصف الذي هرب معي بأن المذبوح مات أمام أعين الجميع، ذلك أنه لحظة قيام امحمد اعبابو بإعطاء الأمر لأحد تلاميذه بإطلاق النار على الدكتور بنيعيش، كان هذا الأخير وقتها يتناقش مع المذبوح وهو ملتصق به.. فأصيبا معا برصاصات قاتلة).

وحيث أن القائد العام للعملية الانقلابية الجنرال المذبوح قد قتل منذ الساعة الأولى للانقلاب، اتجه اعبابو باحثا عن الكولونيل الشلواطي لتكليفه بقيادة الحركة الانقلابية من خلال إقناع باقي الجنرالات بالانضمام إليها.. وهو ما سيباشره فعلا لدى التحاقه بالقيادة العامة للجيش.
غير أن طريقة التراشق بالنيران في القيادة العامة، ما بين الجنرال البوهالي والمقدم اعبابو كانت على شاكلة تراشق سراق المواشي (الكاوبوي) على الطريقة الأمريكية..، حيث أدى ذلك إلى مصرعهما في الحال ثم استسلام حوالي مائتين من تلامذة المدرسة، ليلا بالقرب من الإذاعة، وما أعقبه بعد ذلك من إطلاق النار عليهم بعد تسليم أسلحتهم، مما سيؤدي إلى مقتل حوالي 113 تلميذا فورا.. كل ذلك، أدخل الحركة الانقلابية في عنق الزجاجة كما يقولون وأغرقها في الدماء التي لا مبرر لها، إذ تكد تنتصف ليلة هذا اليوم الأغبر في تاريخ المغرب المعاصر، حتى كان باقي الانقلابيين الأحياء يبحثون عن التخلص من أسلحتهم وملابسهم العسكرية، بحثا عن ملاذ آمن بعد كل الذي شاهدوه من مناظر فظيعة، وما ينتظرهم من مصيرمظلم.


- في ضوء تجربتك السابقة، واحتكاكك المباشر بعدد من التجارب الانقلابية في المشرق العربي، كيف تنظر لأحداث 10 يوليوز 1971؟

+ في تقديري، ما حدث بالصخيرات ثم الرباط طوال يوم 10 يوليوز 1971 لا يمكن أن يرقى إلى مجرد مناورة عسكرية بسيطة من طرف أحد جيوش البلدان المتخلفة كجمهورية إفريقيا الوسطى أو النيجر على سبيل المثال.. أؤكد لكم أن ما حدث هنا لا يرقى لمجرد مناورة عسكرية بسيطة، نظرا لهمجيته، وبدائيته وتهوره وافتقاده إلى الحد الأدنى من التنظيم، بكلمة واحدة، هو عمل "رعاع" لا أقل ولا أكثر.

فكما هو معلوم، تميزت الفترة التاريخية من 1965 إلى 1975 بظهور عدد من الانقلابات العسكرية، سيما في أقطار أمريكا اللاتينية وإفريقيا، حيث الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية أكثر سوءا وتأزما.. كان ذلك هو الإطار العام لهذه الانقلابات.

لكن يجب التقرير هنا بأن بعض هذه الحركات الانقلابية كان ذا طابع تقدمي، باعتبار ما حصلت عليه من دعم جماهيري عريض آنذاك.. بينما كان بعضها الآخر – وهو الأغلب – ذا طابع (أوليغارشي) عسكري ضيق، لا يروم في الحقيقة سوى الاستيلاء على السلطة بحد ذاتها.. بمنافعها..وامتيازاتها.. ولم تكن السلطة عند (ثوارها) أداة محورية لمباشرة التحولات العامة التي كان يستدعيها بإلحاح تصحيح أوضاع هذه الأقطار.

فأن تلجأ حفنة من الأشخاص لا تتعدى أصابع اليد الواحدة إلى التآمر، في بلد كالمغرب، حيث النسيج السياسي والنقابي والتربوي أكثر متانة بالقياس مع كل الأقطار الإفريقية والعربية المجاورة، أن تلجأ هذه الحفنة إلى استخدام أكثر من (1400) جندي وضابط دون مصارحتهم مطلقا بطبيعة (المهمة) ولا أن يتم تأطيرهم جيدا لتنفيذها، ولا أن يضبطوا بينهم المهام تفاديا للالتباس والخلط وسوء النية.. إلخ.. أن يجري كل ذلك، بهذه الدرجة من التهور والشراسة والجهل والرعونة، لهو عمل في منتهى الحماقة والوحشية!

فحتى ساعة وصول القوات المهاجمة إلى بلدة (بوقنادل) كانت المهمة الرئيسية المحددة في أذهان الجميع هي المشاركة في مناورة بالذخيرة الحية في منطقة ابن سليمان، هذه المهمة التي كان من المفروض أن يقوم بها أحد أفضل ألوية القوات المسلحة، ولكن المقدم اعبابو (كما أكد لتلامذته وضباطه في الجمع العام التحضيري ليلة 9/07/ 1971) استطاع أن يقنع القيادة العليا للجيش بأن مدرسته تستطيع أن تقوم بذلك على نفس الدرجة من القوة والاقتدار والنجاح.. كما صرح بذلك وأكد.

وعندما توقفت القوات المهاجمة في بوقنادل لاستجماع القوى، وتحديد المهام على أيدي من أسماهم المقدم اعبابو بالقيادة الميدانية (المتقدمة)، تأكد في ما بعد بأن هؤلاء الضباط الذين أحضرهم إلى بوقنادل بلباس مدني، إنما أحضرهم لمعاينة ضيعة فلاحية يعتزم شراءها هناك! وأن يطلب نصيحتهم.. على أن يتجهوا بعد ذلك لحضور حفلات القصر الملكي بالصخيرات!!
خلال هذا اللقاء، سينقل المقدم اعبابو خطابه إلى السرعة القصوى في مخاطبة ضيوفه وضباط مجموعاته المسلحة، إذ لأول مرة سيستعمل عبارات جديدة ذات علاقة بالشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لم تكن لتجري على لسانه قبل ذلك على الاطلاق.

لقد "تحايل" على الجميع، ليجمعهم هنا في بوقنادل وهو يخطب فيهم خطبة أشبه بخطبة طارق بن زياد، وبين أيديهم قوة نار هائلة مع خواء فكري فظيع وارتباك وفوضى قياسيين.


- ماذا قال اعبابو في بوقنادل؟

+ قال : (.. لقد جرى اختياركم من طرف القيادة العليا للجيش للمشاركة في مهمة خطيرة، وقد وقع عليكم الاختيار لأنكم بالفعل تستحقونه، إنكم تعلمون جميعا الوضعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية لبلادكم.. يجب إنقاذ هذه البلاد.. لقد آن الوقت لذلك.. يتوجب علينا جميعا الهجوم على قصر الصخيرات هذا اليوم ما بين الساعة 13 و 14 .. وستشارك قوات عسكرية أخرى في تنفيذ هذه المهمة!! وبالتالي نحن لسنا لوحدنا!! ولن نكون كذلك... إن هناك عناصر متمردة تهدد سلامة صاحب الجلالة ويتوجب علينا القضاء عليها بدون تردد...).

ثم أمسك بقضيب خشبي ليرسم أمام الضباط المتحلقين حوله مخططا عاما للمعركة المقبلة، محددا بدقة بنايتين رئيسيتين داخل القصر، رسم بينهما خطوطا حربية معروفة لدى العسكريين، مؤكدا أن المعركة قد بدأت وعلى الجميع الالتحاق بوحداتهم ورفع أغطية الشاحنات وتلقيم الأسلحة بمختلف عياراتها والتحرك منذ تلك اللحظة على أساس أن القوات أصبحت ضمن وسط معاد يتوجب اتخاذ أقصى الاحتياطات تجاهه، وبالتالي فإن إطلاق النار ستصبح عملية تلقائية منذ تلك اللحظة، لا تحتاج إلى تذكير أو تجديد الأوامر..

أما بخصوص الضباط (بلباس مدني) الذين أحضرهم عبابو لبوقنادل، فقد فعل ذلك تبعا لتعليمات الجنرال المدبوح، حتى يشجع أكثر تلامذة أهرمومو وضباطهم، فقد كان هؤلاء (الضيوف) يمثلون مختلف قطاعات الجيش، وبالتالي فإن إحضارهم كان بمثابة عملية ذات مغزى كبير. وهؤلاء الضباط هم المقدم القادري والكوماندان المالطي والكوماندان المنور والكوماندان بريكي والكوماندان رياني (صهر المذبوح) والكوماندان حريشي والكوماندان ميلس.

ومما تقدم، أستطيع التأكيد لكم بأن ما حدث لا يخرج عن نطاق حركة (الرعاع) التي لا يجمعها جامع، غير الرباط الحديدي الذي ربى عليه المقدم امحمد عبابو تلامذته وضباطه على حد سواء، والذي وصل حد الطاعة العمياء، فتحول الأمر خلال ساعات قلائل إلى إعصار مدمر، فتك بأرواح أكثر من مائتين وخمسين شخصا وتسبب في جرح وإصابة المئات وإلحاق أفدح الأضرار بالممتلكات الخصوصية والعمومية.

فما كنت أظن أن الجنرال محمد المذبوح ستصل به السذاجة السياسية والتهور العسكري إلى هذا الحد، ومهما حصل فقد كان المسؤول الأول والأخير عن كل هذه المأساة، وكان من قبيل المستحيلات أن تمر هذه القوة الكبرى عبر تراب عدة أقاليم، بسلاحها الكامل وذخيرتها ووقودها وتغذيتها دون موافقته الشخصية، باعتباره رئيسا للديوان العسكري لصاحب الجلالة، وسيكتب له أن يكون من أول ضحايا هذا التهور لتبقى جثته ثلاثة أيام في عز الصيف بدون دفن قبل القيام بإحراقها، ثم ليحرم من مجرد قبر كباقي المسلمين.



- وماذا عن الموقف الليبي الرسمي من هذه الأحداث؟


+ لقد جاءت هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة لتؤكد طبيعة التوجه السياسي العام لنظام العقيد القدافي، والذي كثيرا ما أبلغ قادتنا في التنظيم السري للاتحاد الوطني للقوات الشعبية منذ انقلابه الشهير في فاتح سبتمبر 1969، بأنه لا يثق مطلقا في قدرة الحركة التقدمية المغربية على إسقاط النظام الملكي وإبداله بنظام جمهوري على الطريقة الناصرية، وكان ينصح قادتنا بالاعتماد على قوات الجيش النظامي المغربي إذا هم أرادوا الحصول على نتائج طيبة.

والغريب أن نظام العقيد القدافي حتى بعد أن صار يدعمنا، بتخصيص برنامج إذاعي دائم، كان عبد الرحمان اليوسفي يكتب افتتاحياته بانتظام، وحتى بعد أن فتح في وجوهنا معسكرات التدريب على السلاح وبعد أن أصبح يقدم لقادتنا الأموال والأسلحة، كان دائما ينصحهم بالتعاون مع الجيش المغربي في الداخل مهما كانت عقليته وتركيبته وميوله، إن هم أرادوا نتائج إيجابية!
فمنذ الساعات الأولى للمحاولة الانقلابية الفاشلة لـ 10 يوليوز 1971 انطلقت الإذاعة الليبية في بث بلاغات التهنئة والتبريك، بل لقد أجرى العقيد القدافي - حسب ما نشرته وثائق الخارجية الأمريكية والبريطانية مؤخرا، وحسب ما ذكره الملك الحسن الثاني نفسه في كتابه (ذاكرة ملك)، أجرى القدافي اتصالا هاتفيا بالرئيس الجزائري هواري بومدين طالبا السماح لقواته الجوية والبرية باستعمال الأراضي والأجواء الجزائرية للمرور إلى المغرب لدعم الانقلابيين.. وهكذا أرسل ضابط المخابرات الليبية الرائد عوض علي حمزة، إلى الجزائر على جناح السرعة، لمتابعة تنسيق هذه العمليات، غير أن الرفض القاطع للهواري بومدين أفشل مسعى إرسال حوالي (12) ألف جندي ليبي إلى المغرب لدعم الانقلاب.

ورغم إعلان فشل الانقلاب ظلت الإذاعة الليبية تواصل بث بلاغاتها الداعمة للانقلابين، بينما
المغرب الرسمي من جهته رد بتطويق مقر السفارة الليبية في الرباط ثم وضع كافة العاملين بها في الإقامة الإجبارية، واضطر في وقت لاحق إلى قطع كل الاتصالات الهاتفية عن السفارة.

وهذا ما كشفته وثائق الخارجية البريطانية المنشورة حديثا، بعد مرور أمد التقادم القانوني ضمن الملف رقم (FCO 39 - 884)، والذي تضمن الكثير من الوثائق الدامغة في هذا الاتجاه.
وسيقترح الجنرال محمد أوفقير من موقعه الجديد كوزير للدفاع، بعد إخماد فتنة الصخيرات، على الملك الحسن الثاني في أكادير، فكرة القيام بإسقاط طائرة العقيد القدافي انتقاما من تورطه في دعم الانقلابيين لصيف 1971.. وسيتذكر الملك هذا الاقتراح باستغراب شديد.. مباشرة بعد تورط الجنرال أوفقير في محاولة إسقاط طائرته مساء يوم 16 غشت 1972!!؟