espace réservé aux écrits concernant le ROI HASSAN II

السبت، 26 يناير 2013

غرائب ملك عاش خائفا من القتل



عن المشعل

غرائب ملك عاش خائفا من القتل



"الحسن الثاني كان شخصا مرعوبا ومضطربا على الدوام".. إنها الخلاصة التي يمكن أن يخرج بها المرء وهو يطَّلع، بغير قليل من الدهشة، على بعض تفاصيل الحياة اليومية للملك الذي ظل مصرا طوال قرابة أربعة عقود، على أن يكون رئيس الدولة السياسي والعسكري والديني.. ناهيك عن ألقاب "الزينة" و"البطولة" من قبيل: "الرياضي الأول" و"الفنان الأول".. وغيرها من التسميات، في كل المجالات التي ارتبطت بالتفوق والعبقرية البشريين.. بيد أن القلة القليلة جدا، كانت تعرف أن الحسن الثاني "تفوق" أيضا في جوانب أخرى مثل الخوف والقلق.. كيف لا والتفاصيل التي بين أيدينا، والتي راكمناها أثناء إعداد هذا الملف، تفيد أن الحسن الثاني، كان يخاف من أشياء كثيرة، منها حشود الناس حينما كان يصادف، أو يكون مُعدا له (كما حدث مرة في ليبيا، خلال زيارة رسمية بدعوة من العقيد "معمر القذافي") أن يجد نفسه في مواجهة الجموع الغفيرة، حيث كان من أخوف ما يخافه، أن تُصوب اتجاهه طلقة قاتلة، تُسقِطه مضرجا في دمائه، كما حدث للرئيس المصري السابق "أنور السادات" على أيدي ضباط جيشه، كما أن الحسن الثاني، ظل قٌرابة ثلاثة عقود لا يسبح في مسبح القصر، مخافة أن يُفاجئه الانقلابيون وهو في وضع "مشين" لا يرتدي سوى "مايوه" السباحة..
أما تفاصيل الحياة اليومية بالقصر، فكانت قطعة سميكة من توتر وقلق، أغلب الأيام، لأن مزاج الحسن الثاني كان شديد التعكير، بسبب هواجسه التي تُبقيه أغلب الليل مستيقظا، لينام حين يستيقظ أفراد "شعبه الوفي".. ويقوم من فراشه عندما تكون الشمس قد مالت نحو النصف الأخير من اليوم.
الحسن الثاني كان مُقيما على بساط من قلق.. إنها واحدة من الاستنتاجات، التي تمنحها المعطيات القليلة بهذا الشأن، لذا لم يكن مستغربا، أن يتحول شخصه إلى كتلة من غضب وقلق، وسخرية تقض مضاجع كل الذين اقتربوا منه، بهذا المستوى أو ذاك، كان على سبيل المثال، يقلب الأجواء بالقصر رأسا على عقب، حينما يستيقظ من نومه، كما كان يجد متعة كبيرة، في جعل ضيوفه ينتظرونه الساعات الطوال قبل أن "يشرفهم" بلقائه، كما لم يكن يتورع عن استدعاء وزراء حكوماته المُتعاقبة، في ساعات متأخرة من الليل، حيث تكون سِنّةُ النوم تُداعب أجفانهم.. إلى غيرها من التفاصيل، التي تثير لدى قارئها، أو المستمع إليها ابتسامة ساخرة، في أقل الأحوال، وفي أقصاها تحشد لديه تأملا كثيفا، في الطبيعة النفسية والشخصية الغريبة للحسن الثاني، الذي أصر على أن يحكم، ملايين المغاربة، الذين تضاعف عددهم ثلاث مرات، خلال فترة حكمه، على إيقاع مزاجه الخاص جدا.
الملف التالي تجميع لبعض المعطيات التي تخللت الحياة اليومية للحسن الثاني، وأقرب المحيطين به، من أفراد أسرته، وباقي سكان القصر الذين قادهم قدرهم لـ "معايشة" كائن استثنائي.

مخاوف لازمت الحسن الثاني طوال فترة حكمه

ظلت المسألة الأمنية، في صلب الانشغالات خلال السنوات الثمانية والثلاثين، التي دامها حكم الحسن الثاني، وإذا كان الحديث قد انصب بهذا الصدد، ولو "باحتشام" على الآليات المؤسساتية والسياسية، التي اعتمدها الملك الراحل، لتحقيق رؤيته لشؤون الحكم، بما يجعل المؤسسة الملكية حجر الزاوية في النظام المغربي، على جميع المستويات.. فإن هناك جوانب وتفاصيل تمت لما هو شخصي ونفسي، حتمت وجود تلك السياسة الأمنية التي صُرِّفت في البلاد وبين العباد. منها مثلا أن الحسن الثاني كان رجلا مهووسا بأمنه الشخصي لاعتبارات عديدة، منها أيضا أنه اختار أن يستفرد لوحده بشؤون الحكم، وبالتالي كان ضروريا، حسب المنطق الذي اشتغل عليه، أن يتوفر على أذرع أمنية تجعله قادرا على الإمساك بزمام الأمور مهما كانت الظروف، وبطبيعة الحال لم يكن ذلك ليمر دون أن تبرز تناقضات عديدة، كان من أهمها أنه تعرض لمحاولتين انقلابيتين عسكريتين، على مدى سنتين متواليتين، كاد يفقد فيهما، ليس حياته فحسب، بل انمحاء النظام الملكي، ذلك أن الضباط الانقلابيين، لم يكونوا ليتركوا للملكية "ترف" الاستمرار في زمن كانت فيه الأنظمة العسكرية "موضة" في العالم العربي، والعديد من دول العالم الثالث، عبر أرجاء المعمور.
وبطبيعة الحال، فقد كان من الصعب جدا على نظام ملكي، مطلق، بالشكل والمضمون اللذين أرادهما الحسن الثاني، أن يظل "ثابتا" في محيط محلي وإقليمي ودولي، متحول على المستويات الإيديولوجية (النموذجان الاشتراكي والاسلامي) لذا كانت تلك التناقضات النفسية تطفو على السطح، لكن لا تراها الأعين "المجردة" في بلاد كالمغرب، لم يكن فيه لوسائل الإعلام من دور آخر، غير "الإشادة" أو النقد المبطن، الذي لم يكن يسلم أصحابه (سيما في الصحافة الحزبية المعارِضة آنذاك) من الملاحقة والمتابعة، وبالتالي ظلت العديد من تلك التناقضات النفسية في أعلى مستوى هرم السلطة، حبيسة القلوب التي في الصدور، لدى الذين عايشوها من قلب مربع الحكم، والمُحيطين به. كما تناقل بعض العارفين بأسرار القصر، فما لأذن، الكثير من الغرائب والعجائب، عن التدبير النفسي لأمور الحكم، من نواته، أي القصر.. فعلوا ذلك بكثير من الحيطة والحذر. فالحيطان لها آذان كما يُقال، وثمة العديد من المآسي التي حلت ببعض الذين انفكت ألسنتهم قبل الأوان، غير أنه مع توالي السنوات، بدأت بعض التفاصيل العجيبة في الظهور إلى العلن، ولو في نطاق محدود، كان أغلبها مصدره كتابات أجنبية، نشرت على أعمدة الصحف الكبرى في أكثر من بلد غربي، ومؤلفات، عن الشأن المغربي، أغلبها فرنسي.
وقبل أن نبرح هذه النقطة، بصدد حدة الموقف الأمني، المرتبط ببعض تفاصيل تناقضات التدبير الأمني، في أبعاده النفسية، يجدر بنا الإشارة إلى مُعطاة أوردها الضابط السابق، أحمد المرزوقي الذي قضى ثمانية عشر عاما في سجن "تازمامارت" السري، على خلفية اتهامه ومُحاكمته، بتهمة المشاركة في الانقلاب العسكري الأول سنة 1971، وتُفيد - أي المعطاة - ضمن كتاب المرزوقي "الزنزانة رقم عشرة" أن ضابط صف مغربي، نُقل سرا، وبلا مُحاكمة، إلى سجن "تازمامارت" لأنه نطق يوما بعبارات تذمر أمام زميل له، من المهمة الموكلة إليهما، وكانت تتمثل في حراسة مدخل قصر إحدى شخصيات القصر الملكي، ووصف "المرزوقي" الظروف المأساوية التي توفي فيها ذلك العسكري الشاب، بعدما كان قد دخل السجن الرهيب في هيئة بدنية صلبة، ليخرج جثة متهاوية، إلى قبر مجهول، ذلك لمجرد كلمة قالها في لحظة تأفف، لزميل له غير أمين!
الواقعة إياها تشرح إلى أي مدى، كانت الاعتبارات النفسية هشة، بالنسبة لنواة الحكم في البلاد، وهي تكشف أيضا، عن الحساسية الفائقة، التي كانت لدى الحسن الثاني، كلما تعلق الأمر بسلامته الشخصية، و"هيبة" نظام حكمه المطلق.
غير أنه في ثنايا كل تلك الصلابة الظاهرة، التي لم يتورع الحسن الثاني عن إفشائها بكل السبل والوسائل، مهما أمعنت في المُغالاة، كانت ثمة نفس قلقة مضطربة، تخشى من أهون "الإشارات" ولو كانت على شكل وشاية غير دقيقة، ففي التفاصيل التي انفكت عنها الألسنة، تأكد أن الحسن الثاني، كان شخصا مسكونا بالخوف، لا ينام من الليل إلا أقله، ولا يقرب الطعام إلا فيما ندر، كما أن حالته المزاجية لم تكن في غالب الأحيان على ما يُرام، وأنه كان يعيش أيامه وكابوس انقلاب عسكري وشيك، يتربص به حتى في غرفة نومه، كما أنه لم يكن يثق بأي شخص، بما في ذلك أقرب مُقربيه، مما حوله إلى شخص لا يُطاق، حتى في لحظات نومه، حيث كان مطلوبا أن يظل القصر "نائما" في عز النهار، حتى لا يتم التشويش على الملك النائم.
التفاصيل كثيرة، غير أن أكثرها، ما زال طي الكتمان، ولا غرابة في ذلك، ما دام أن "تاريخ" المغرب السياسي، الذي رهن مصير أجيال المغاربة، لعقود طويلة، ما زال لم يُكتب بعد، ناهيك عن التفاصيل الشخصية والنفسية، التي أطَّرت السلوكات اليومية، للحسن الثاني، ذلك لأن أغلب هذه الأخيرة، تظل سجينة اعتبارات عديدة، منها مثلا أن المجتمع المغربي، ليس "بوحيا" (من البوح) بل "إخفائيا" (من الإخفاء) هذا إذا ما تجاوزنا "عقبة" اعتبارات الاحتراز والحذر، الأقرب إلى العصاب المرضي، كلما تعلق الأمر بأسرار رجالات السلطة النافذين، وعلى رأسهم الملك، حيث يفضل الناس عندنا "السلامة" على "الندامة".. أما الذي يركب رأسه ويُفشي بما رآه من عورة الأسد، فيُشيع بتلك العبارة الدارجة، التي خلدت على لسان الممثلة والوزيرة "ثريا جبران" أو "قريتيف": "ها ناري جابها فراسو".
مهما يكن من أمر، فإنه من المستحيل دائما، أن تظل كل الأشياء طي الكتمان، حيث يُقيض لها دائما، مَن يخرجها، ولو ببطء شديد، إلى النور، وهذا ما حدث، ويحدث حاليا مع الكثير من أسرار التناقضات الشخصية والنفسية، الزاخرة التي حبلت بها فترة الحكم الطويلة للحسن الثاني.
ويمكن القول إن بعضا من التفاصيل المتوفرة بهذا الصدد، لا تخلو من غرابة، إذ كيف لامرئ مغربي "ألف" حتى "تكلس" وعيه، أن يفهم أن الحسن الثاني كان رجلا خائفا على الدوام، تطارده الكوابيس، ويشك في كل ما يحيط به، لأنه عاش لحظات عصيبة كاد أن يتحول فيها من مُطارد للناس إلى طريد، يجري وراءه العساكر وأيديهم على الزناد، لإردائه قتيلا متى أصبحت المسافة بينهم وبينه مُناسبة؟ كيف يمكن أن يفهم "يا أيها الناس" أن الملك الذي جعلهم يعتقدون، بقوة السلطة وجبروتها، أنه "أبدي" لا يموت.. (كيف لهم أن يفهموا).. أن الرجل كان إنسانا خائفا ومرعوبا، يتطير من خبر وقوع انقلاب في أحد أصقاع المعمور البعيدة، ويعتبره فألا سيئا، فيفسد نهاره بأكمله؟ وكيف لهم أن يفهموا، أن سكان القصر، سيما النساء، كُن دائما على أهبة الاستعداد للهرب في كل الاتجاهات، عند حدوث الأمر "الجلل" لدرجة أن الأحذية الرياضية كانت على الدوام تحث الأسرة، عسى يكون الإفلات؟ و.. و... وأسئلة كثيرة متناسلة، تحتاج إلى أجيال من المغاربة "المُبصرين" خلف هالة المُلك، الذي منحه الحسن الثاني "الصولة والصولجان" ليتسنى لهم أخيرا، فقط، الفهم،  أن الإنسان يظل إنسانا، ولو كان في قالب مُلك مرمري؟

تحصينات الحسن الثاني المعمارية والبشرية

لُقب الحسن الثاني بأنه كان ملكا رحالة، ليس بالمفهوم الذي كان عليه الرحالة المغربي الشهير "ابن بطوطة" بل في اتجاه معكوس، أي أن الحسن الثاني كان رحالة داخل المغرب من خلال التسعة وعشرين قصرا التي توفر عليها في شتى أنحاء البلاد، في مدن مثل أكَادير وطنجة ومراكش وإفران.. والدار البيضاء إلخ، قصور فخمة فسيحة، هي في ملكية الدولة "رسميا" لكنها ليست كذلك "فعليا" ناهيك عن عشرات "الفيلات" المُصممة على الطراز المعماري للقصور، المسورة بشكل كثيف، بما يجعلها بمنأى عن الأعين المتلصصة، وذلك من خلال الحراسة المشددة التي تحيط بها.. غير أن قصر العاصمة في حي "تواركَة" يظل هو مقر الإقامة الرسمي، وبالتالي الأكثر تشددا في الحراسة.. وبالنظر إلى كل ذلك الهوس الأمني للحسن الثاني، فقد كان "طبيعيا" أن تكون الحراسة مستمرة أربعة وعشرين ساعة على أربعة وعشرين، حوالي كل جنبات قصر الرباط،  الذي ظل رمزا معماريا لحكم العلويين منذ القرن الثامن عشر، فهو عبارة عن مدينة قائمة بذاتها، بأزقة ومصحة ومقبرة، ومجزرة لحوم، وثكنة عسكرية، ومسبحين، ومسالك الغولف، بثمانين حفرة، وملاعب كرة المضرب، وعشرات الفيلات، وغابة، ومركب سجني. إنها حسب وصف بعض الذين دخلوها، من بين خاصة الخاصة، مدينة متكاملة شبه مهجورة، لكن مئات الأعين مبثوثة في أرجائها، لا تترك مجالا للصدفة في أشد أركانها انعزالا.. فعند مستوى الحراسة الأول، هناك دائما عند كل مدخل من بين عشرات مداخل القصر الملكي بالرباط، حضور أمني مُكثف، قوامه أفراد من مختلف أجهزة الأمن السرية والعلنية، وفكرة الحسن الثاني من وراء ذلك، هي أن يراقب كل "عنصر" أمن الآخرين، في دوامة متشابكة ومعقدة لا تنتهي إلا لتبدأ، حيث يوجد جنبا إلى جنب، عساكر فرقة المظليين العسكرية، والحرس الملكي، وفرقة التدخل السريع، وحراس القصر الخاصين، والقوات المساعدة الملقبين بـ "الفرارج" ومئات من أفراد مديرية مراقبة التراب الوطني "دي .إيس.تي" ومكافحة التجسس "لادجيد" والدرك الملكي.. إلخ.
علق أحد الصحافيين الغربيين، ممن كتبوا عن الأجواء الأمنية بالقصر الملكي بالرباط قائلا: "إنها أجواء تذكر بفضاءات قصص الكاتب الأرجنتيني الشهير خورخي لويس بورخيس، حيث يتعلق الأمر بعالم شديد الإبهام، عبر متاهات شديدة التركيب والتعقيد".. لا غرابة في ذلك، بالنظر إلى الخوف المقيم، الذي كان لدى الحسن الثاني من انقلاب ثالث يأتي على الملك والملكية، ليحقق ما فشل فيه الانقلابان السابقان، لسنتين متواليتين (1971 و1972). لذا فإن كل ذلك الحذر الأمني، دفع الحسن الثاني، إلى اعتماد تصميم هندسي جديد للقصر،  جعلت ما هو "مهم" مختفيا بشكل يجعله لا يسترعي "الانتباه"، في حين أن الأقل أهمية، معروض بشكل سافر. فثمة مثلا أبواب خشب الأرز الثقيلة الضخمة، المنقوشة، لكنها لا تُفضي عند فتحها، سوى إلى مساحات فارغة، أما الأبهاء (جمع بهو) فكلها عبارة عن متاهات لا تنتهي، إلا إلى مزيد من التيه، أما الممرات، فتفضي إلى مزيد من أمثالها، بلا مخارج أو مداخل، بالنسبة لمن لا يمتلك أسرار جغرافيتها، هذا بينما تظل "الممرات" الحقيقية، سرا لأنها عبارة عن أسوار بلا منافذ، بالنسبة لمن لا يعرف المكان.. وحدها سراديب أدراج ضيقة جدا، إنارتها خافتة، لدرجة تبدو معها وكأنها ستؤدي إلى "لاكاب" تتجه إلى الإقامات الخاصة للحسن الثاني.
لا أحد باستثناء الحسن الثاني، كان يعرف مداخل ومخارج تلك الأبهاء المتاهية، وللإشارة فإنه حتى بالنسبة لأفراد أسرته - أي الحسن الثاني - وأقرب المُقربين منه، كان حتما عليهم المرور عبر مرآب "كَراج" يوجد في مكان جانبي، وليس المدخل السري الخاص بالحسن الثاني، فهناك، أي عند المرآب المذكور، ثمة مربد السيارات إلى جانب بناية مجهولة حيث يقضي السائقون والحراس الشخصيين سحابة يومهم.
إنها بعض متاهات قصر الحسن الثاني، التي صممها على هدي هواجس الخوف المُقيمة، كما سكنته طوال فترة حكمه.

لا طائرة تطير في بلاد الحسن الثاني إلا بإذنه

يتذكر أحد الصيادين المحترفين من مدينة القنيطرة، أن أحد مراكب الصيد غرق في عرض البحر قٌبالة شاطئ المهدية، خلال يوم عاصف من إحدى سنوات منتصف تسعينيات، القرن الماضي، لنستمع إلى الرجل وهو يحكي ما حدث: "كان على متن مركب الصيد سبعة صيادين، وبعدما توصلت إدارة الميناء بنداء الاستغاثة، تم الاتصال بقائد سرية الدرك الجهوية، من أجل تخصيص طائرة مروحية في عملية الإنقاذ" مُضيفا: "طال الانتظار الليل بأكمله، دون أن تظهر الطائرة المذكورة في الأفق" ليهلك الصيادون السبعة عن آخرهم في عرض البحر"!
إن الواقعة المأساوية المذكورة، تُعتبر واحدة من بين عشرات غيرها، عبر المدن الساحلية المغربية، وقد كان كافيا أن يٌُصدر قائد سرية الدرك المحلية حينها، أمرا بإقلاع واحدة من عشرات الطائرات المروحية، مزودة بعتاد الإنقاذ اللازمة، من أطواق نجاة وسلالم حبال، ليتم إنقاذ الصيادين، غير أن هذه البساطة كانت تصطدم دائما بتعقيدات إدارية، لا تنتهي، فكما قال لنا الصياد القنيطري: "لقد علمنا فيما بعد، أن أي تحرك لطائرات الدرك، كان يحتاج إلى أمر خاص استثنائي من الجنرال حسني بنسليمان نفسه، كما أن هذا الأخير كان ضروريا أن يخطر الحسن الثاني شخصيا، بأمر إقلاع الطائرة والغرض منه، وهو ما لم يكن ممكنا حتى تصوره".
بالفعل، فمن يستطيع أن يتصور أن يقوم الجنرال "حسني بنسليمان" بإيقاظ الحسن الثاني من نومه، أو أن "يزعجه" حتى لو كان صاحيا (الحسن الثاني كان كائنا ليليا لا يؤوب إلى فراشه حتى الساعة الرابعة أو الخامسة صباحا)؟ لذا فقد كان حراس الموانئ يكتفون بـ" معايشة" آخر لحظات حياة طواقم الصيد المنكوبة، عبر أجهزة الاتصال اللاسلكية، حتى يطوي عباب البحر أجساد الصيادين التعساء، الذين كان من سوء حظهم أنهم وُلدوا في بلاد يحكمها ملك "يتطير" من أي طيران في الجو بدون إذنه.
ثمة ضمن أهم أسباب ذلك "التشدد" في منع الملاحة الجوية، بدون سبب "وجيه" أن الحسن الثاني، عاش لحظات عصيبة، يوم 16 غشت سنة 1972، حينما قنبلت طائرات القاعدة الجوية بمدينة القنيطرة طائرة "البوينغ" الملكية، حينما كان الحسن الثاني عائدا من سفر إلى فرنسا، ولولا سرعة بديهة الربان "القباج" لكان الحسن الثاني قد فارق الحياة منذ ذلك الحين، غير أن من بين النتائج "الوخيمة" لذلك، أن الملاحة الجوية، ظلت ممنوعة منذئذ، لأي غرض مهما كان مستعجلا، كأن يتعلق بإنقاذ أرواح بضعة صيادين كادحين، لقد كان ذلك أمرا مستحيلا، باعتبار حساسية موضوع إقلاع الطائرات بدون إذن من الحسن الثاني.

يوم قال الحسن الثاني لـ "محمد المديوري": "الفلاح الذي باغتني قتلني"!

كانت المناسبة تدشين سد "الحسن الأول" أو "تاشواريت" بالتعبير الأمازيغي لأهل المنطقة حيث يقع السد، في منطقة جبلية قريبة من مدينة "أزيلال".. والزمن كان إحدى سنوات منتصف عقد الثمانينيات من القرن الماضي، الاستعدادات الأمنية والبروتوكولية كانت على أشدها، كيف لا والحسن الثاني إلى جانب الرئيس الفرنسي الاشتراكي "فرانسوا ميتيران" كانا سيقومان معا بعملية التدشين البروتوكولية.. كان الموكب المشهود يسير الهوينى، فوق الزرابي التي حشدها مقدمو وقياد دواوير المنطقة، وفجأة "انفلت" أحد الفلاحين من بين الحشد، مُخترقا كل "الأسوار" الأمنية والبشرية، قوامها رجال الأمن والدرك والقوات المساعدة، فضلا عن رجال الحرس الخاص، الذين كانوا متيقظين تحت أنظار "القط" محمد المديوري.. وبطبيعة الحال تسنى لهؤلاء الأخيرين أن يحولوا بين الرجل والحسن الثاني، لكن بعدما كان هذا الأخير قد اعتقد في لحظة مرت كالبرق، أنه إزاء عملية اغتيال انتحارية، ذلك أنه لم يعد يفصله عن "قاتله" المفترض سوى بضعة أمتار قليلة، كانت "كافية" ليتم القدر المحتوم.. وتبين بعد التحقيق مع مشروع "القاتل" أنه ليس سوى فلاحا بسيطا من الجوار يحمل رسالة مطلبية كان يريد تسليمها "يدا بيد" إلى الملك، غير أنه لم يُفلح في ذلك بطبيعة الحال، وبينما كان الحسن الثاني غارقا في "ذهوله" من فُجائية اللحظة، رمق "ميتران" المشهد بعينين مشدوهتين، سيما بعدما لاحظ الجلبة الكبيرة التي أحدثها الحُراس الشخصيون للحسن الثاني، وأفراد الأمن.
أحد المصادر الذي عاين المشهد نقل إلينا أن الحسن الثاني توجه حينها غاضبا لرئيس حرسه الحاج "المديوري" قائلا: "من تلك المسافة إنني ميت".. مما جعل "المديوري" يصب جام غضبه على مرؤوسيه، حيث أرسل بعضهم لإعادة "التكوين" في معهد الشرطة بالقنيطرة.

يوم أمر الحسن الثاني بإقفال بئر في إفران لأسباب أمنية

الواقعة التي سننقلها هنا بتفاصيلها الدالة، رواها لنا أحد الموظفين السابقين في القصر الملكي بمدينة إفران، وفي تفاصيلها أن الحسن الثاني كان كثيرا ما يتردد على المدينة الأطلسية المذكورة، حيث كان يحلو له مُمارسة هواية صيد سمك "الترويت".. إذ أُحدثت من أجل ذلك،  مصايد خاصة، عبارة عن بحيرات صغيرة، تسهل على الملك عملية الاصطياد، أي أن لا يُخرج الصنارة خاوية أبدا.. وحدث أن الحسن الثاني خرج يوما من قصر "إفران" وحيدا، لمعرفته أن المساحة الشاسعة المحيطة بالقصر محروسة جيدا، ليس فقط بعشرات رجال الأمن، في الأوقات العادية، والذين يتضاعف عددهم حينما تُعتمد حالة الطوارئ عند إقامته بقصر "إفران".. (ليس لذلك السبب فحسب) بل لوجود سياج عال من الأسلاك الشائكة، تحول بين القصر، وما جاوره على مدى قُطر دائري شاسع، وفي لحظة ما، يقول مصدرنا المذكور، وجد الحسن الثاني نفسه فجأة وجها لوجه مع امرأة من يا أيها الناس، تحمل عبوات (بيدوات) من ذلك النوع الذي يستخدمه بسطاء الناس في القرى لجلب الماء من مصادر طبيعية، جفل الحسن الثاني، عند رؤية المرأة، غير أنه لم ينبس ببنت شفة، وقفل راجعا إلى القصر الذي كان قد ابتعد عنه ببضعة مئات من الأمتار.. وهناك استشاط غضبا على المكلفين بالحراسة، وطلب بإنجاز تقرير على الفور، لمعرفة سبب "مُصادفته" المرأة القروية صاحبة "البيدوات" وعما قد يكون جاء بها إلى هناك.. وفي ساعات قليلة كان التفسير بين يديه، وكان كالتالي: إن مصادر المياه المعتادة، بالنسبة لبعض القرويين القاطنين في الجوار، كانت قد جفت بفعل شح السماء في تلك السنة، مما جعل بعض النساء والأطفال المكلفين بجلب المياه لبيوتهم "يُغامرون" بالتوغل أكثر صوب المنطقة "المحرمة" القريبة من القصر الملكي، وبالتحديد حيث كانت عين ماء ما زالت تمنح من فيض مياهها.
وحسب المصدر نفسه فإن الحسن الثاني أمر على الفور أن يتم إغلاق تلك العين "القريبة" من قصره، حتى لا يستمر القرويون في "الاقتراب" من محيط مُمارسة هوايته المفضلة في إفران، أي صيد سمك "الترويت" في مصايدها المُعدة بعناية.

ممنوع حمل المسدسات في حضرة الملك

ليس من شك، أن الحسن الثاني، ندم كثيرا حينما كان يتذكر، طيلة السنوات التي أعقبت المحاولتين الانقلابيتين العسكريتين، لأنه كان يترك بعض كبار ضباطه العسكريين يتمنطقون في حضرته، بمسدساتهم المتنوعة، غير أنه لم يكن لينسى واحدة من تلك اللحظات "العصيبة" التي كان خلالها مُجتمعا، مع بعض وزراء حكومته في أحد أيام أواخر سنوات عقد الستينيات من القرن الماضي، وبالتحديد حين نشبت خلافات بين الجنرال محمد أوفقير، وبعض الوزراء بشأن إخلاء أراضي فلاحية خصبة، بمنطقة بني ملال، من سكانها القرويين البسطاء، ليسطو عليها بعض الوزراء وكبار شخصيات الدولة، حيث كان المتضررون قد اتصلوا بالجنرال "أوفقير" مستنجدين به، فما كان من هذا الأخير الذي كان شديد الاعتداد بنفسه، وعلى عداوة مع وزراء كثيرين، حيث كان ينظر إليهم باحتقار مشوب بالاستعلاء.. (فما كان من أوفقير) إلا أن ذهب بنفسه إلى عين المكان وهو يسوق سيارته بسرعة جنونية، وعمل على إيقاف إجراءات إخلاء الأراضي الفلاحية من قروييها، وهي العملية التي كان يشرف عليها آنذاك عامل مدينة بني ملال نزولا عند رغبة الوزراء، والنتيجة أن خبر ذلك النزاع بلغ إلى الحسن الثاني، وبالتالي ذلك الاجتماع الذي كان بين هذا الأخير وبعض وزراء حكومته، إلى جانب الجنرال "أوفقير" وحسب التفاصيل التي نقلها الصحافي الفرنسي "ستيفان سميت" في كتابه: "أوفقير قدر مغربي" فإن الاجتماع المذكور كان عاصفا، بين الطرفين، فمن جهة كان الحسن الثاني لا يُريد "حرمان" بعض وزرائه من الضيعات التي أرادوها، ما دام ذلك يضمن له ولاءهم، كما لم يكن يريد أن يخسر مخدومية جنرال قوي في نظامه من طراز محمد أوفقير، وفي لحظة عاصفة، استل "أوفقير" مسدسه الشخصي ووضعه على طاولة الاجتماع قائلا بهدوء وهو ينظر إلى الحسن الثاني: أنا مستعد لإطلاق رصاصة على رأسي إذا ما كان هناك أدنى شك في إخلاصي.. وبالنظر إلى ما قام به "أوفقير" فيما بعد ببضع سنوات، من دور محوري في الإعداد للانقلابين العسكريين، فقد كان من السهل عليه "عمليا" أن يصوب مسدسه اتجاه الحسن الثاني ثم يطلق عليه الرصاص فيُرديه قتيلا.. ما حدث حينها حسب التفاصيل التي تضمنها الكتاب المذكور، هو أن الحسن الثاني طيب خاطر جنراله القوي، من خلال إرجاء عملية استيلاء الوزراء على ضيعات الفلاحين.. غير أن الحسن الثاني لم ينس أبدا تلك اللحظة، عقب الانقلابين العسكريين، لذا فقد صدرت الأوامر الصارمة، إلى أفراد الحرس الخاص برئاسة الحاج المديوري، بألا يحمل أي شخص مهما كانت رتبته العسكرية أو الأمنية، سلاحا بذخيرة حية أو ميتة، في حضرة الحسن الثاني. وهو الأمر الذي استمر تطبيقه بـ "حذافيره" طوال عقود وسنين حكم الحسن الثاني.

الملك في السينما وإلى جانبه مسدسه
 ولا يسبح خوفا من الموت وهو بـ " المايوه"

من بين التفاصيل التي "تسربت" عن الحياة الخاصة للحسن الثاني، أنه كان في بعض الليالي، ينتقل رفقة نساء حريمه، لمشاهدة أحد أفلام رعاة البقر أو الرعب أو البوليسية، وذلك بعدما كان يحرص على وضع مسدسه إلى جانبه، فليس من شك، بالنسبة للذين نقلوا هذه التفاصيل أن الحسن الثاني كان يخشى أن يُباغته انقلاب على نظامه، فيغشى الانقلابيون عليه غرفه الخاصة، بعدما يكونوا قد تخطوا أسوار القصر العالية السميكة، ثم يصلون إليه حيث هو في صالة العرض السينمائي بالقصر، بغرض تصفيته، لذا كان حريصا على أن يكون مسدسه بجانبه في كل مرة يستغرق خلالها في مشاهدة أحد أفلام المغامرات من الدرجة الثانية، التي كان يُقبل عليها بنهم كبير.
ثمة أيضا من التفاصيل بهذا الصدد، ما يتعلق بواحدة من هواياته المُفضلة، وما أكثرها، هي السباحة، فبالرغم من أنه كان يتوفر على مسبح كبير بالقصر مفتوح على السماء، عامر بمياه عذبة مُعالجة طبيا، إلا أنه توقف عن السباحة فيه منذ بداية سنوات عقد الثمانينيات، وذلك مُباشرة بعد "موت" الجنرال "أحمد الدليمي" الرجل الثاني في النظام بعد "مقتل" الجنرال "محمد أوفقير". ظل الحسن الثاني منذ ذلك الحين مسكونا بهاجس انقلاب عسكري ضده، وبالتالي تجنبه السباحة في المسبح الرائع بقصر الرباط، مخافة أن يفاجئه الإنقلابيون وهو في وضعية غير "لائقة" مرتديا فحسب "المايوه" دون أية وسيلة دفاع عن النفس.

كيف أصبح الحسن الثاني كائنا "ليليا"؟

لم يكن الحسن الثاني شخصا عاديا، فقد كان ملكا حكم بلادا تضاعف سكانها خلال فترة حكمه، ثلاث مرات، حتى أصبحوا زهاء ثلاثين مليون نسمة، ومثل هذا العدد يزيد من التناقضات العصية على "الضبط".. لذا فقد كان "طبيعيا" ألا يتوفر على إيقاع حياة يومية عادية، بل كانت على قدر كبير من الاضطراب والإثارة. ومن ذلك مثلا أنه "أصر" على أن يتوفر على مظاهر حياة خاصة منتمية لعصر آخر قديم، وحسب بعض الذين اقتربوا منه كثيرا أو قليلا، فإن الحسن الثاني تغير بشكل مذهل، عقب وقوع الانقلابين العسكريين المتتابعين، كيف ذلك؟
من التفاصيل المتوفرة بهذا الصدد أن الحسن الثاني كان ينام حينما يشرع أول أفراد شعبه في الاستيقاظ والدَبِّ على الأرض، ويتناول غذاءه - فيما ندر - في بداية المساء، ويقضي سحابة يومه تقريبا في ملعب الغولف، أو "مرفرفا" حسب تعبير أحد الكتاب الفرنسيين، بين نساء حريمه، ومستشاريه، ليتناول طعام العشاء في منتصف الليل، ثم لا ينام حتى الساعة الرابعة أو الخامسة صباحا.
السبب في هذا الاستعمال الغريب للزمن، يعزوه مُقربوه المذكورون إلى أن الرجل - أي الحسن الثاني – كان مسكونا بهواجس أمنه الشخصي وأمن أفراد أسرته، لذا كان يعتقد أن الأنباء السيئة تُدبر "مؤامراتها" بليل، وبالتالي إن بقاءه مستيقظا، سيجعله ملما بها قبل فوات الأوان، غير أنه في خضم هذه "الفوبيا" الأمنية، كان استعمال الزمن المضطرب للحسن الثاني، يخلق إحراجا كبيرا للمحيطين به، كما لضيوفه، من كبار رجالات الدولة في العالم، ولا بأس أن نروي في هذا الصدد بعض التفاصيل المُوثقة، التي لا تخلو من طرافة.
لقد كان الحسن الثاني كثيرا ما يمنح الضوء الأخضر لمدير بروتوكولاته الجنرال "أحمد العلوي" لاستقبال شخصيات عديدة، كان بينها رؤساء وملوك وكبار الدبلوماسيين ورجالات ونساء الإعلام، وأشهر الأكاديميين، عبر العالم، غير أنه لم يكن يلتزم بالمواعيد المضروبة، بل يلتقي بالشخصية المعنية بالموعد، في الوقت الذي كان يحلو له. وهو ما استحق عليه لقب "الملك الأقل لباقة في العالم" من طرف الصحافة الأنكَلوساكسونية، وذلك بعدما جعل الحسن الثاني ملكة بريطانيا "إليزابيت" تنتظره ساعة كاملة، خلال أحد أيام زيارتها الرسمية للمغرب، إلى درجة أن هناك مَن اعتبر أن الحسن الثاني كان يتعمد ذلك، لأنه كان يجد فيه متعة كبيرة. ومهما يكن من أمر، وحسب التفاصيل المتوفرة، فإن مواعيد الحسن الثاني كانت تتأخر لأسباب عديدة، منها اعتبار أمنه الشخصي، حيث يطول الإعداد له من طرف خدامه "المتحمسين" وكذلك حسب مزاجه، وهو ما كان يثير ضجر ضيوفه الأجانب، وكان من بينهم الرئيس الفرنسي السابق "فرانسوا ميتيران" وملك إسبانيا "خوان كارلوس".

كيف تغير الحسن الثاني؟

كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإن التغيير الكبير الذي طرأ على وتيرة الحياة اليومية للحسن الثاني، ارتبط بواقعتي المحاولتين الانقلابيتين العسكريتين المُتتابعتين (1971- 1972). فقبل ذلك كان الحسن الثاني يعيش نمط حياة شبه عادية، على المستوى الزمني، حيث كان يصل إلى مكتبه في التاسعة صباحا، بعدما يكون قد استيقظ مبكرا، ليتناول غذاءه في منتصف النهار، قبل أن يعود إلى مهامه، كما كان يمارس رياضة السباحة بانتظام، ويلعب كرة المضرب، والغولف، فضلا عن القنص، حيث كان بإمكانه التصويب بالبندقية، ليسقط زهاء مائة طائر في ظرف ساعة واحدة.
كل ذلك تغير عقب الظرفية العصيبة المذكورة، صحيح لقد احتفظ الحسن الثاني بمظهر الواثق من نفسه، إزاء العالم الخارجي، سيما في جلسات ندواته الصحافية، التي كان يحب مُجادلاتها مع رجال ونساء الصحافة الغربية، وبالأخص منهم الفرنسيون، حيث قال في إحداها: "حينما أقوم بجرد لحصيلة حياتي، أجد أن الدَّين أكبر من المديونية، إنني لم أقم سوى بأمور إيجابية، من حواليَّ، فأنا لم أضر أي أحد، وأشعر أني بين ظهراني شعبي مثل سمكة في الماء، حسب تعبير ماو تسي تونغ".
لم تكن هذه في الواقع سوى كلمات مطلوقة في الهواء، ذلك أن الذين احتكوا بالرجل - أي الحسن الثاني – بشكل يومي، كانوا يعرفون أن تلك الثقة بالنفس كانت ظاهرية فحسب، وأنه على العكس من ذلك، كان ممروضا ممعودا، جراء الخوف من وقوع محاولة انقلابية ثالثة، كما أنه لم ينس أبدا أن أفراد "شعبه الوفي" التزموا الهدوء والسكينة حين وقوع الانقلابين العسكريين، بل وكان بينهم مَن خرجوا، للتعبير عن الابتهاج، كما حدث في مدينة الدار البيضاء، على سبيل المثال، في ظرفية كان فيها مصير العرش الملكي، مُعلقا بخيط رفيع.. لكل ذلك وغيره، من الاعتبارات المُماثلة، ظل الحسن الثاني إنسانا مُؤرقا لا ينام ليله كأغلب الناس، وحذرا على نحو شبه مرضي. صحيح لقد ظلت قواعد البروتوكول مرعية ظاهريا، كما أن جداول المواعيد الملكية بقيت كما كانت، لكن كل الترتيبات بهذا الصدد، كانت تزعزعها، الساعة البيولوجية المضطربة لنوم واستيقاظ الملك، فحتى في أماكن الإقامة التي كان يفضلها عن غيرها، مثل قصري الصخيرات (للمفارقة ففي هذا القصر حدثت المحاولة الانقلابية العسكرية الأولى ضده) أو "بوزنيقة" الذي كان محصورا على نساء حريمه، لم يكن الحسن الثاني يعثر على الراحة الضرورية، لذا فإن النوم لم يكن يُداعب جفنيه، حتى يكون النهار بصدد الطلوع، حيث يكون الإجهاد قد هََدَّهُ، وفي تلك الأثناء تُعلق الحياة داخل القصر، بكاملها في انتظار نيل الحسن الثاني قسطا من النوم، وحينما كان يستيقظ، تكون الشمس قد مالت نحو كبد السماء، وعندها يجعل حياة القصر منقلبة رأسا على عقب، من الناحية المزاجية، وهو ما كان يخلق متاعب لا حصر لها للعاملين على خدمته، من مختلف المراتب والمشارب، ومن الطريف أن نذكر بصدد أجندة الحياة اليومية الغريبة للحسن الثاني، أنه كثيرا ما كان يطلب من وزراء حكومته الحضور، في وقت يستعد فيه هؤلاء للذهاب إلى فراش النوم.

سفريات وجولات الحسن الثاني: احتياطات أمنية لا تنتهي

لا يختلف إثنان على أن تنقلات الحسن الثاني، كانت عبارة عن سلسلة إجراءات أمنية مشددة، قبل أي شيء آخر، فعلى سبيل المثال لا الحصر، حينما كان ينتقل إلى إحدى المناطق المغربية، البعيدة أو القريبة، من العاصمة، على متن سيارة مصفحة كبيرة، من نوع "ليموزين" أو "ميرسيديس" مُعدة بوسائل الراحة الأكثر فخامة، منها طاولة لعب الورق مع مرافقيه.. (حينما كان يفعل ذلك) فإن صفوف رجال الأمن تحيط بجنبات الشوارع والطرق التي يمر منها، وهم يديرون ظهورهم للموكب الملكي، ووجوههم إلى الحشود، ويا ويل رجل الأمن الذي يُخالف هذه القاعدة الأمنية الصارمة.
وفي الحالات التي كان الحسن الثاني "يضطر" إلى تلقي "حمامات ازدحام" حسب العبارة الفرنسية، فإنه كان يفعل ذلك، بعد اتخاذ كافة الاحتياطات الأمنية، من بينها، ارتداء سترة واقية من الرصاص، ناهيك عن أفراد أجهزة الأمن السرية والعلنية، الذين يندسون بشكل سافر وسط الناس، لالتقاط كل "ذبذبات" الحشود.
وعلى مستوى آخر، فإن حي "تواركَة" الذي يوجد به القصر الملكي، أي الإقامة الرسمية للحسن الثاني وأسرته، يتم فصله وعزله تماما، عن باقي أطراف العاصمة الرباط، ما بين الساعة الثامنة والنصف مساء والسادسة من صباح اليوم الموالي، أما أبواب القصر الأرزية الضخمة، فيتم إقفالها عند الساعة الثامنة مساء، ويكون العمل حينها بإجراءات أمن مُشددة، لم يكن يُستثنى منها أحد، بما في ذلك أبناء الحسن الثاني الأمراء والأميرات، الذين كانوا كثيرا ما يعمدون إلى استخدام الكثير من الحيل للتسلل خارج أسوار القصر ليلا.

أحذية رياضية تحت أسرة غرف النوم بالقصر

لم يكن يتسنى للذين عاشوا جوار الحسن الثاني أن "يهنأوا" بأجواء حياة طيبة.. صحيح، لقد كانت وسائل العيش المادية، متوفرة إلى مستوى أقرب إلى الخيال منه للواقع، لكن "الثمن" كان باهظا، يُدفع من أعصاب متوترة وقلق مُقيم، جراء الأجواء المكهربة في القصر، والاحتياطات الكبيرة، الدقيقة، لاعتبارات أمنية، بشكل يفوق الاحتمال، فعلى سبيل المثال، فإن أجواء الخوف والحذر، كانت شديدة الوطأة على عشرات النساء من حريم الحسن الثاني، فحينما كان هذا الأخير، يقرر اصطحابهن معه في إحدى سفرياته إلى الخارج، فإنه كان يتم ختم حقائبهن الكبيرة واليدوية في المطار، ويكون ممنوعا عليهن فتحها، مهما كان الظرف.
نفس أجواء الخوف والقلق والتوتر، كانت تنسحب على أفراد أسرة الحسن الثاني، وثمة بهذا الصدد واقعة طريفة، حدثت حينما فكر ابن أخ الحسن الثاني الأمير هشام، في منح هدية لعمه الملك، حيث عمد إلى اقتناء ثلاث بندقيات صيد حديثة الصنع، لم يكن قد تم تسويقها بعد، حرص على أن يتم نقش اسم الحسن الثاني عليها، لمعرفته أن عمه الملك، يحب هذا النوع من العتاد، وبينما كان الأمير هشام ينتظر تشكرات مؤثرة من الحسن الثاني، تلقى منه تقريعا شديدا لا ينتهي، وذلك بعدما عمدت مصلحة "مخابرات" القصر برئاسة الحاج محمد المديوري إلى إخطار الحسن الثاني، بأن ابن أخيه قد استطاع إدخال أسلحة من الخارج، ليس فقط إلى البلاد، بل أتى بها حتى قعر القصر.
ومن نفس الأجواء المتوترة، التي كان يرزح تحتها أفراد أسرة الحسن الثاني، بصدد الاعتبارات الأمنية المتشددة، كان الاعتقاد جازما لدى الجميع داخل القصر، سيما النساء، أن انقلابا سيحدث في أية لحظة، ومن ثم الخوف الشديد من مصير مأساوي، على غرار ما حدث يوم عاشر يوليوز من سنة 1971، الفكرة المحورية عن هذه "الفوبيا" المُقيمة لدى سكان القصر كانت هي: "هناك حيث فشل الجنرال أوفقير يمكن أن ينجح عسكريون آخرون". ومن الطريف أن نذكر أيضا في هذا الصدد، أنه بالرغم من عادة المشي على أرضية ساحات ومرافق القصر بأقدام حافية، إلا أن الكثير من نساء حريم الحسن الثاني، سيما الفتيات الصغيرات منهن، كُنَّ يُخفين أحذية رياضية، تحت أسرتهن قبل أن يخلدن إلى النوم، ليظللن دائما على استعداد لحالات الطوارئ، وعلى أهبة الهرب حينما يقع ما يخشونه، لقد كن يعتقدن جازمات أن انقلابيي العسكر لن يرحمنهن، خلال الانقلاب، كما كانت هناك بينهن مَن يستشرن بانتظام عرافين وعرافات مشهورين، لقراءة طالعهن بصدد نهاية مأساوية مُحتملة بقدر كبير.

يوم عَضَّتْ امرأة ليبية يد حارس الحسن الثاني

حينما تسلم الحاج "محمد المديوري" رسميا منصب رئاسة الحرس الخاص للملك الحسن الثاني، عمد إلى الاستحواذ على مهمة "مسير" رياضي، وغرق في مسؤوليات "تحديث" جهاز الحراس الخاصين للملك، وللأميرات والأمراء، وفي سبيل ذلك لجأ إلى تقنية الاستقطاب للكوادر المؤهلة، من بين شباب مدارس الشرطة، والأندية الرياضية، سيما المشتغلة منها بفنون القتال، وإلى هذه الأخيرة يُعزى مصدر اكتشاف "مواهب" من قبيل "مهراد" و"فكري" و"جعايدي" الثلاثي الذي يشكل حاليا حجر الزاوية في الحراسة الخاصة للملك محمد السادس.
ومن الوقائع التي حدثت خلال رئاسة "الحاج المديوري" للحرس الخاص للحسن الثاني،    
أنه خلال زيارة رسمية قام بها الحسن الثاني إلى الجماهيرية الليبية، بدعوة من رئيسها العقيد "معمر القذافي"، اضطرب أفراد فرقة الحراسة الشخصية للحسن الثاني ورئيسهم "المديوري" وذلك جراء الازدحام الشديد، الذي أحاط بالرئيس الليبي وضيفه الملك الحسن الثاني، وبينما بدا الأول سعيدا بذلك الاحتشاد الفوضوي من حوله، علت علامات الدهشة والخوف محيا الحسن الثاني، وهو ما جعل أفراد حرسه الخاص يقلقون ويضطربون، وحينها عمد رجال الحاج المديوري إلى استخدام تقنية "السمطة" وذلك بشد كل فرد منهم بيد زميله، لتشكيل سلسلة بشرية منيعة، حوالي الحسن الثاني ومُضيفه العقيد "القذافي" وبعدما لم تكتمل السلسلة المذكورة، تناول أحد أفراد الحرس الملكي يد واحدة من النساء اللواتي يقمن بمهام حراسة الرئيس الليبي، فما كان من المرأة الشديدة البأس، سوى أن عضت بأسنانها بكل ما تملك من قوة يد حارس الحسن الثاني.

عندما انقطع التيار الكهربائي عن القصر واستبد الهلع


حدث ذلك ذات ليلة من أحد أيام منتصف عقد ثمانينيات القرن الماضي، وبالتحديد سنة 1986، حين انقطع التيار الكهربائي جراء عطب تقني، مما جعل العاصمة الرباط، بما في ذلك القصر الملكي، تغوص في ظلام دامس، واستبد الهلع أكثر بين القاطنين وراء أسوار قصر "تواركَة" وهرعوا مهرولين إلى الخارج، مُعتقدين في جزم أن انقلابا عسكريا قد حدث، في حين أنه لا شيء من ذلك كان قد حصل. سيما أن ذكرى "موت" الجنرال القوي "الدليمي" كانت ما تزال طازجة في الأذهان حينها، غير أن تطورات الظرفية الدولية، في تلك الآونة، كانت على نحو من الاضطراب، مما بعت القلق بين سكان القصر، منها مثلا، أن الطائرات الليبية كانت قد قصفت ليبيا، وبالتحديد الثكنة التي كان يُعتقد أن العقيد "معمر القذافي" كان متمترسا فيها، وبالتالي الاحتمال القوي، الذي كانت تعتقد به السلطات الليبية وكان مفاده أن الطائرات الأمريكية التي قصفت بلادهم، عبرت الأجواء المغربية، مما جعل محيط الحسن الثاني، وسكان القصر، يعتقدون أن السلطات الليبية، وعلى رأسها الرئيس "القذافي" كان لديهم هدف ملح يتمثل في الانتقام من القصر "المتواطئ" مع الامبرياليين الأمريكيين، وقد بلغ من شدة هذا الاعتقاد، أن الحسن الثاني عمد حينها إلى زيادة تشديد الحراسة الأمنية حوله.
كما كان هناك أيضا ذلك الخوف من مسألة تضاعف الانقلابات العسكرية، في العديد من البلدان الإفريقية والعربية، التي طوحت بأنظمة ملكية، كان يُعتقد أنها "أبدية". ففي ظرف زمني لا يتعدى جيلا واحدا، تم القضاء على أربعة أنظمة ملكية، من طرف ضباط جيش شباب،  وذلك قبل حدوث انقلاب الجيش الأول ضد الحسن الثاني يوم عاشر يوليوز سنة 1971، كما أن نظامين إمبراطوريين "حليفين" للحسن الثاني، في "إيران" و"إثيوبيا" تمت الإطاحة بهما، من خلال إزاحة "هيلاسلاسي " و"الشاه أحمد رضا بهلوي" وكلاهما كانا صديقين "حميمين" للحسن الثاني، ومن ثم يُمكن بسهولة، فهم الجو النفسي الذي كان مهيمنا على سكان القصر الملكي، حيث كانت الظرفية غير "مواتية" للأنظمة الملكية، سيما أن عددا من الملوك المُطاح بهم، عبر العالم، مثل ملك بلغاريا السابق "سيمون" وأبنائه، وأرملة شاه إيران "فرح ديبة" وابنها "رضا" ووريث عرش مصر الملك "فؤاد"  وزوجته، وملك اليونان "قسطنطين" المُطاح به من طرف العسكر، وآخرون كانوا يثقون في أريحية وحسن وفادة الحسن الثاني، الذي استضافهم في المغرب، ومنحهم فيلات أنيقة، أو غرفا في أفخم الفنادق بالعاصمتين الإدارية والاقتصادية، على مدار السنة، ووضع رهن إشارتهم سيارات فخمة مصفحة، بل ومنح بعضهم رواتب شهرية مجزية من ميزانية القصر. وبالتالي كان لدى الحسن الثاني، أكثر من سبب للخوف من مصير بائس، كالذي حل بضيوفه من أباطرة وملوك أكثر من بلد في العالم، حتى لو اقتصر الأمر على انقطاع كهربائي بسبب عُطْلِ في التيار.

كيف نسي الحسن الثاني بسرعة "درس" الانقلابين العسكريين؟

صرح الحسن الثاني،  يوم 25 غشت 1972، أي أياما قليلة بعد انقلاب عاشر غشت 1972 لجريدة "لوفيغارو" الفرنسية قائلا: "يجب ألا أمنح من الآن فصاعدا ثقتي لأي كان، إنها صدمة أُلقنها لنفسي  أولا من خلال اتخاذي لهذا القرار، غير أن الأمر لا يتعلق بشخصي، بل بملايين الناس الذين أقود مصائرهم، بعد الله، لذا فإن اعتباراتي الشخصية، لا يجب أن تكون أثقل من هذه الالتزامات".
لم يف الحسن الثاني بهذا التعهد، ونسي الدرس.. كيف ذلك؟  إن الخطأ ذاته الذي كان قد ارتكبه بالاعتماد على الجنرال "أوفقير" كرره مرة أخرى، بنفس السيناريو مع جنرال آخر هو "أحمد الدليمي".. غير أنه حسب طبيعة النظام الفردي، الذي كرسه الحسن الثاني، هل كان بإمكانه تجنب مسألة وجود رجل سلطة قوي من بعده؟ سيما في بنية سلطة شديدة التركيز، يلعب فيها رجال الأمن والجيش الدور الأساس في استمرارية النظام.. مما يفرض حضورا ومتابعة لصيقين، لشؤون ممارسة السلطة، وهو ما لا يمكن أن يفعله رجل واحد، وفي ذلك كان حتميا أن يصعد نجم الجنرال الدليمي، بعد مقتل أستاذه الجنرال "محمد أوفقير".. لقد كان الحسن الثاني مُجبرا على منح "الخطوط العريضة" لسياسته، لكنه كان دائما في حاجة ماسة، إلى رجل قوي، يسهر على التنفيذ وفق منظور أمني دقيق، وهو الدور الذي أسنده للجنرال الدليمي، غير أن المأزق الأمني الذي كانت تنطوي عليه هذه الوصفة، تمثل في أن الرجل الثاني في النظام، يصل إلى مرحلة (تماما كما حدثت مع الجنرال "أوفقير" من قبل) يجد فيها الفرصة سانحة، للاستحواذ على مقاليد الأمور، وهو ما حدث فعلا.
وفي لحظات مُعينة، يحدث بين الشخص الذي أراد الاستحواذ على السلطة، والأمر يتعلق بالدليمي، ضمن هذا السياق، وبين الذي أراد الاحتفاظ  بالعرش، أي الحسن الثاني، أن يصل المدى إلى الصراع "الصامت/الصاخب".. وهو ما حدث بالتحديد، بين الملك وجنراله مما انتهى بـ "وفاة" هذا الأخير في حادث سيارة يوم 25 يناير 1983.

"رشاوى" الحسن الثاني إلى كبار رجال الدولة

فهم الحسن الثاني جيدا، بعد سلسلة محاولات انقلابية استهدفته وحكمه، أن عليه شراء "رضا" كبار رجالات الدولة الأمنيين والمدنيين والعسكريين، لذا عمد بدافع هاجس أمنه الشخصي واستمرار نظامه، إلى إغراقهم بالهدايا، ومنحهم مساكن باذخة عبارة عن "فيلات" في أرقى الأحياء السكنية، وضيعات في ملكية الدولة، انتقلت إليها عبر سياسة "المغربة" عقب رحيل الاستعمار الفرنسي، ورخص الصيد في أعالي البحار، واستغلال مقالع الرمال.. إلى غيرها من الامتيازات، في دولة الريع الاقتصادي، أما بالنسبة لكبار بارونات الدولة، ممن لم يتسنَّ لهم، لسبب أو آخر، الاستفادة من "أُعطيات" الحسن الثاني لضمان "ولائهم" وبالتالي أمنه و "سلامة" نظامه، فقد كانت هناك دائما الصناديق المالية العمومية، لتمنح لكبار القوم في الدولة، قروضا مُجزية بلا ضمانات استرداد تقريبا، ناهيك عن باقي وسائل الاغتناء من كل الأنواع، منها أعمال التهريب.. لقد كان كل شيء "صالحا" لهدف واحد: شراء الأمن الشخصي للحسن الثاني، وسد أطماع الطامعين، من المقربين في الاستيلاء على الحكم.

تقارير النساء هي "صمام" الأمن  

كان الحسن الثاني يحرص كلما عاد من إحدى سفرياته إلى الخارج، على مُجالسة كل واحدة من حريم القصر رأسا لرأس، والسؤال الوحيد الذي كان يُريد جوابا عنه هو: ماذا حدث في غيابي؟ طبعا لقد كانت لديه أعين رجال الحاج "محمد المديوري" غير أنه كان يحتاج إلى تقارير أكثر "حميمية"، من مثل: بمن اتصلت هاتفيا هذه المحظية أو تلك، خلال فترة غيابه؟ وماذا قالت أخرى عنه؟ وهل كانت تنظر إلى ألبوم صوره الخاصة، الموضوعة رهن إشارة أعين نساء الحريم؟ إلى غيرها من التفاصيل الحميمية، وكانت كثيرا ما تنزل العقوبات على بعض النساء، لا لشيء إلا لوشاية، تم "تركيبها" بناء على روايات بعض قاطنات الحريم، ممن تكون لديهن "صراعات" و خصومات حول مَن تستطيع الظفر ب "حظوة" أفضل لدى الملك، غير أن الحسن الثاني، كان يستخدم تلك التقنية النسائية لـ "ضبط" الأمور الأمنية، في قعر مقرات إقامته، فمن يدري؟ قد تتوفر جزئية معلوماتية "بسيطة" تخرج عفوا من فم محظية "متحمسة" لكنها  - أي المعلومة – قد تشي بأمر خطير، مثل إعداد قد يكون قائما على قدم وساق، بين بعض نساء الحريم، وأطراف سياسية أو أمنية خارجية، للإجهاز عليه بطريقة ما، في قلب القصر.
لهذه المخاوف تُعزى تلك الدقة، التي كان يعتمدها الحسن الثاني، في "استنطاق" نساء حريمه واحدة واحدة، حتى "يغربل" رواياتهن لما حدث في غيابه، بأدق التفاصيل. وذلك بطبيعة الحال، بعدما يكون قد "تخلص" من كثير مما "لا نفع" فيه، وبتلك الطريقة كان يستطيع التوفر دائما على مُعطيات "حميمية" لا تكون في متناول "أعين" قط القصر، أي رجال الحاج محمد المديوري.

شرطي الحسن الثاني برتبة وزير

كانت العبارة الوحيدة، التي يُرددها البصري مثل لازمة، هي "هاذ شي ما غاديش يعجب سيدنا".. وهو ما كان يعبر عن هوس "كبير وزراء" الحسن الثاني بأمر الأمن: المبرر الوحيد الذي جعله "يتسلق" المراتب، من مجرد مفتش شرطة بسيط، أواخر سنوات عقد الستينيات من القرن الماضي، ليصبح وزيرا للداخلية، وهو المنصب الذي استمر فيه لمدة تُقارب الثلاثة عقود، فما السر في ذلك يا تُرى؟
لقد فهم "إدريس البصري" أكثر من أي شخص آخر، من بين الذين عملوا إلى جانب الحسن الثاني، أن هذا الأخير، كان مشغولا بأمر واحد: الأمن والاستقرار، أي أمنه الشخصي، واستقرار النظام الملكي، وقد كرَّس إدريس البصري نفسه لأداء هذا الدور طيلة حياته، لدرجة أنه كان يبيت فيه مكتبه بوزارة الداخلية الليالي الطوال، في حالة تأهب دائم، للجواب على الأسئلة، التي كانت تعن للحسن الثاني في أكثر من ملف، أكثرها وأهمها بطبيعة الحال، كانت تلك التي تتصل بقضايا أمنية. روى أحد الصحافيين، ممن كانوا قد اختاروا "العمل" مع إدريس البصري، إلى جانب فترة "الدوام" في إحدى الجرائد الحزبية، أن إدريس البصري تلقى اتصالا، في وقت ما بعد منتصف الليل، من الحسن الثاني، في شأن إحدى الجرائد التي كانت قد أصدرتها للتو، جماعة إسلامية في إحدى سنوات منتصف عقد الثمانينيات، وما هي إلا دقائق حتى كان البصري قد جمع كل المعطيات، عن الجريدة المذكورة، بدءا بمن يكتب فيها ويرقنها والمطبعة التي تطبعها، والكثير من التفاصيل المملة، التي قد تكون بلا جدوى. وربما لهذا السبب كان الحسن الثاني "يندهش" من كل تلك القدرة على العمل "الأمني" لدى "كبير" وزرائه، لذا لم يتورع الحسن الثاني عن القول له يوما: "شوف آ سي دريس نتا غادي تبقى ديما بوليسي".
اعتمد الحسن الثاني على "خدمات" إدريس البصري، في مرحلة حاسمة وحرجة من مساره على رأس نظام الحكم، وذلك بالتحديد في الحقبة الموالية، لما بعد المُحاولتين الانقلابيتين، حيث كان الحسن الثاني، قد احتاج إلى الشخص القادر على "تفجير" كل المصالح الاستخباراتية من الداخل، وجعلها في خدمة تصور واحد، هو الأمن الشخصي للملك، وهي المهمة التي أفلح فيها إدريس البصري، وتحول إلى رجل المعلومة الأمنية الوحيد، بعدما استطاع أن يمحور عمل كل مصالح الأمن السرية والعلنية، حول أدائه، وبالتالي كانت الصورة الشهيرة عنه وشبه الدائمة، تظهره متأبطا ملفاته، ومتجها إلى ملعب الغولف بالقصر أو في أي مكان آخر، حيث يكون الملك، ليسلمه آخر التقارير الأمنية.
لقد استطاع "إدريس البصري" أن يجعل كل شيء خاضعا للمنطق الأمني، في البلاد، ذلك لأنه كان يعرف أن "جدوى" بقائه في منصب "كبير وزراء" الحسن الثاني رهين بمدى أداء دور الشرطي الأول، في هرم دولة قائمة على هاجس الأمن الشخصي للملك، واستقرار النظام الملكي.
م. حيران   
  

الملك الحسن الثاني عاش مخدوعا


الملك الحسن الثاني عاش مخدوعا


لم يسلم مشوار الملك الراحل الحسن الثاني، من خدع وعمليات نصب واحتيال.. قد يبدو الأمر غريبا اعتبارا لسيطرة وسيادة صورة الملك الماسك بزمام الأمور بيد من حديد على امتداد 38 سنة من الحكم المطلق.
القليلون من المغاربة يعرفون أنه خلف مظهر الملك الداهية، المتحكم في الشادة والفادة، شخصية تعرضت هي الأخرى للنصب والاحتيال والخدعة، كما قد يقع لأي إنسان.
لقد أجمع المحللون من كل أطراف العالم، أن الملك الراحل الحسن الثاني ذو شخصية مركبة حد التعقيد ومزدوجة حد التناقض، حيث لم يكن قول أو أمر فوق قوله وأمره، وأن صفة العناد صاحبته دوما، وتصاعد اقتناعه عبر مر السنين، بموهبته ودهائه السياسيين الخارقين وإعجابه بعبقريته النادرة في ترويض السلطة، هذا في جو لم يعوّده المحيطون به على الإدلاء بالحقيقة واعتماد الصراحة إلا نادرا جدا، علما أن عهده ظل مطبوعا، في غالبيته، بهاجس حماية نفسه وملكه من الدسائس التي لم تتوقف أكثر من جهة عن نسج خيوطها في الخفاء.
رآه الصحفي الفرنسي "إنياس دال" ملكا قويا، ذكيا جدا وفطنا، لدرجة لا يمكن أن يتصور المرء إمكانية خداعه أو النصب عليه، ولم يكن يخدعه تملق ووضاعة المحيطين به رغم استحسانه مختلف تلاوين الخضوع ومظاهره البارزة. كيف لشخصية ظلت مثار جدل كبير، ولرجل ذكي وداهية وذو سلطة مطلقة، مثل الملك الراحل الحسن الثاني، أن يكون ضحية خدعة أو نصب أو احتيال أكثر من مرة؟

خدعة الكنيسة "العلمولوجية"


بدأت الحكاية منذ سنة 1967، عندما قررت الكنيسة العلمولوجية، إحداث بحرية تابعة لها، والتي أطلقت عليها اسم "سي أورك" والقيام برحلة بحرية على متن بواخر كانت أهمها تدعى "أبولو" على طول الشواطئ الأطلسية والمتوسطية المغربية، تحت رئاسة "رون هوبارد" مؤسس هذه الكنيسة، ودامت هذه الرحلة بين مختلف الموانئ المغربية، من أكادير إلى طنجة شهورا، حدث ذلك بين 1969 و1971.
تعتبر "العلمولوجية" (أو "السيونتولوجيا")، طائفة غريبة من الفرنسيسكان، اهتمت بالمغرب منذ فجر سبعينات القرن الماضي، وكادت أن تخدع الملك الراحل الحسن الثاني بمحاولة ضلوعها في قلب نظامه.
وهذا ما كشفت عنه مجموعة من الوثائق السرية الصادرة عن أجهزة المخابرات بأوروبا وأمريكا، منذ سعى "هوبارد" إلى إيواء كنيسة "العلمولوجية" بإحدى البلدان المتوسطية، وتمنى أن يكون ذلك البلد هو المغرب. آنذاك كان الملك الراحل الحسن الثاني يعيش فترة قلقة جدا اعتبارا للأوضاع التي كانت تعيشها البلاد بُعيد انقلاب الصخيرات (1971) وقبله، الشيء الذي قاد رئيس الكنيسة "هوبارد" إلى التفكير في "تخريجة شيطانية"، مفادها أن تعمل كنيسته على كشف خونة النظام وأعدائه لنيل رضا الراحل الحسن الثاني، سيما أولئك الذين كانوا يكنون له العداء من المحسوبين ضمن أقرب المقربين إليه.
سعيا وراء تحقيق هذه الغاية، استقر "هوبارد" وبعض معاونيه بإحدى العمارات على مقربة من مدينة طنجة، في الطريق المؤدية إلى المطار، تحت مظلة إحداث شركة للنقل الدولي. علق "هوبارد" على واجهة المبنى لافتة تحمل العبارات التالية : "OPERTION AND TRANSPORT CORPORATION, LTD"، (OTC) بوصفها شركة بانامية تنشط في مجال النقل البحري، حدث ذلك في نهاية خريف 1972.
حاولت الكنيسة "العلمولوجية" اختراق الإدارة المغربية، تحت مظلة هذه الشركة، عبر استغلال علاقة صداقة ربطت بين أحد معاوني "هوبارد" وباشا مدينة آسفي آنذاك، واستخدامها وسيلة لنيل شرف مقابلة الملك الراحل الحسن الثاني.
كلف رئيس الكنيسة كل من "ريكلي" و"ليز كابلهاوس" بهذه المهمة، ولبلوغ هذا الهدف وضع رهن إشارتهما غلافا ماليا ضخما.
تمكن هذا الثنائي من اختراق الإدارة المغربية بعد أن فازت شركة (OTC) بصفقة تكوين موظفي البريد، غير أن المشروع فشل بعد شهر، بفعل الرعب الذي تملك الموظفين المتمرنين اعتبارا لنظام التكوين وصرامة قواعده، إذ فضل أغلبهم التخلي خوفا من أن يصنفوا ضمن الذين يكنون العداء للنظام أو الملك، خاصة وأن الكنيسة "السيونتولوجيا" استخدمت آليات لتقدير نسبة الولاء أو العداء للنظام السياسي.
آنذاك كانت "ليز كابلهاوس" قد تعرفت على المدعوة "بديعة" التي قدمتها لرئيس الكنيسة، "هوبارد"، كإحدى المقربات من العائلة الملكية.
بواسطة "بديعة" تعرف "هوبارد" على الكولونيل عبد القادر العلام، الذي أُبهر بنتائج آلة "الاليكتروميتر" المستخدمة من طرف أعضاء الكنيسة لتحليل شخصية مريديها.
بعد التقاء الكولونيل، اقترح عليه "هوبارد" إخضاع أطر القوات المسلحة لـ "الاليكتروميتر" لتحديد درجة ولائهم وصدقيتهم في الخدمة. اقتنع الكولونيل العلام بالفكرة، ووعد رئيس الكنيسة بعرضها على الجنرال أوفقير. هذا ما كان، حيث أعدت جلسة ساهرة استدعي إليها "أموس جيسوب" و"ليز كابلهاوس" (معاونا هوبارد)، وحضر محمد أوفقير رفقة إحدى موظفات القنصلية المغربية بنيويورك. خلال هذه السهرة تمكن بعض أعضاء الكنيسة "العلمولوجية"، بواسطة أحد مرافقي الجنرال محمد أوفقير، من الاطلاع على أن هذا الأخير عاد مؤخرا من زيارة سرية لمركز تدريب تابع للمخابرات المركزية الأمريكية بـ "بورت هولبير" لمقابلة بعض قادة "سي. إي . يا" دون علم الملك الراحل الحسن الثاني.
بعد هذه السهرة تلقت "ليز كابلهاوس" وبعض أعضاء الكنيسة "العلمولوجية" دعوات لحضور استعراض بهلواني جوي بالقاعدة الأمريكية بالقنيطرة، وذلك قصد تمكينهما من التقاء بعض الجنرالات والحديث معهم، علما أن بعض هؤلاء سبق أن اتهموا بالمشاركة في انقلاب الصخيرات خلال يوليوز 1971.
بعد فشل الانقلاب تجدد اللقاء بين القيمين على الكنيسة والجنرال محمد أوفقير واقترحوا عليه استخدام آلة "الاليكتروميتر" لكشف الخونة في صفوف ضباط الجيش.
حينئذ، كانت شركة (OTC)، قد تمكنت من الفوز بصفقة تدريب عناصر "الكاب 1" على كشف العناصر المشاغبة، غير أن هذا المشروع فشل بفعل الصراع بين عناصر هذا الجهاز الذين تخوفوا كثيرا من الخضوع لآلة "الاليكتروميتر"، سيما وأن شبح انقلاب الصخيرات كان ما يزال مخيما على الظرف والشكوك مازالت في أوجها. رغم ذلك استمر القيمون على الكنيسة، محاولين التقرب من الملك، لكن غياب الجنرال محمد أوفقير بعد مهاجمة الطائرة الملكية خصوصا، حال دون ذلك، إذ تلقى "هوبارد" أمرا من البلاط بإقفال مقر شركته ومغادرة المغرب فورا.
بدأ أمر الكنيسة "العلمولوجية" يفتضح بانتحار أحد أعضائها، عندما أطلقت إحداهما على نفسها رصاصة من مسدس بعد أن أوصدت باب غرفتها بالباخرة التي رست بميناء آسفي، وقد تم طي ملف النازلة بسرعة دون بحث ولا تقصٍّ، بحجة أن المتوفية كانت من المدمنات على المخدرات وفي جعبتها أكثر من محاولة انتحار، وقد شكلت هذه الحادثة بداية نهاية الكنيسة.
وفي غضون سنة 1996 كشف أحد تقارير المخابرات المركزية الأمريكية أن "سي . إي .يا" أبرمت عقودا مع بعض أعضاء الكنيسة "العلمولوجية" لتكليفهم، فيما بين 1971 و 1972، بربط علاقات سرية مع الانقلابيين المغاربة، كما كشفت تلك التقارير أيضا أن عملاء المخابرات الأمريكية، العاملين تحت غطاء الكنيسة قد نجحوا في نسج علاقات وطيدة ببعض الانقلابيين، كما أشرفوا على تحويل مليوني دولار من بنك سويسري إلى المغرب لتمويلهم.
إن "السيونتولوجيا" أو "العلمولوجية" حركة دينية تستند إلى تعاليم الكاتب الأمريكي "رون هوبارد" (1911 -1986) الذي أسس كنيسة في سنة 1951، ضمت ما يناهز 8 ملايين عضو في أكثر من 70 بلدا.
تسعى فلسفلة ـ أو بالأحرى إيديولوجية ـ هذه الحركة الدينية إلى تخليص المرء من تجارب الماضي المؤلمة، وتنقيته من شوائبها ليكون عضوا مخلصا للجماعة التي يعيش ضمنها.
تستعمل هذه الكنيسة جهاز "الاليكتروميتر" لتوجيه الأفراد نحو خير الجماعة والمجتمع. عموما تشكل "السينوتولوجيا" مجموعة من التعاليم الدينية والمعتقدات مستندة إلى فلسفة علمانية أعاد صياغتها "رون هوبارد" لإبداع فلسفة "دينية تطبيقية"، حيث يتلخص فكر الكنيسة "العلمولوجية" في مكننة الإنسان والعلاقات الإنسانية على جميع المستويات بدءا من الفرد وانتهاءا بالدول، ذلك لأنها تعتبر أن الخاصيات الإنسانية متغيرة وغير قابلة للحسابات أو التنبؤ، مما يؤدي إلى أخطاء فادحة عند اتخاذ القرارات.
من أجل ذلك سعت هذه الكنيسة ـ عبر إيديولوجيتها ـ إلى تفريغ الإنسان من خصائصه الإنسانية، والتي ترى فيها مواطن ضعفه، التي تعرقل مساره نحو الرقي إلى درجة من الإتقان على غرار عمل "الماكينات"، مستخدمة مجموعة من القواعد والتمارين تستهدف محو الإرادة الشخصية وتطويع الفرد لخدمة المؤسسة كضرب من ضروب الهندسة الاجتماعية، منها واجب الطاعة العمياء لمن يحتل المرتبة الأعلى دون الحق في انتقاده!
اعتبر الكثير من المحللين أن الفكر "العلمولوجي"، هو امتداد للتيار الذي أراد إخضاع علم الاجتماع وعلم النفس لمقاييس العلوم الهندسية، وقد رأت جملة من الدول الغربية أن الكنيسة "العلمولوجية" تشكل خطرا لأن من شانها الدفاع على قيام نظام ديكتاتوري، وهذا ما أدى إلى محاربتها، حتى أضحت مجرد طائفة دينية سرية غير قانونية في الدول الغربية بعد أن افتضح أمرها.

خدعة طائرة "بوينغ 727"


في منتصف سبعينات القرن الماضي، بعد نجاح المسيرة الخضراء، كلف الملك الراحل الحسن الثاني، وزيره الأول وصهره أحمد عصمان، بمعية أحمد العسكي، باقتناء طائرة من نوع "بوينغ 727" آخر موديل، لجعلها طائرته الخاصة تعويضا عن الطائرة "بوينغ 727" التي تعرضت للقصف سنة 1972، في الانقلاب العسكري الثاني، الفاشل.
ففي غشت 1972، كان الراحل الحسن الثاني، قد توجه إلى فرنسا لقضاء بضعة أسابيع في قصر "بيتز" على بعد ستين كيلومتر من باريس، الذي كان في ملكيته. وفي طريق عودته على متن طائرة "بوينغ 727"، فوجئ ربانها، العقيد القباج وهو على مشارف أجواء جبل طارق بسرب من طائرات "إف5" تطارد الطائرة الملكية، وبينما الربان يحاول، دون جدوى الاتصال ببرج المراقبة، كانت إحدى طائرات "إف5"، قد شرعت في قصف مكثف للطائرة الملكية بين تطوان ومولاي بوسلهام، مما أسفر عن مقتل شخصين، ولم يكن أمام العقيد القباج سوى الحفاظ على توازن الطائرة كي تهبط في الأخير بأعجوبة بمطار الرباط سلا. نزل الملك متسترا من الطائرة المعطوبة التي قبع بداخلها في انتظار سيارة نقلته إلى جهة معينة بالرباط، حيث التحق به شقيقه الأمير الراحل مولاي عبد الله، رفقة الجنرال عبد الحفيظ العلوي والعقيد أحمد الدليمي آنذاك. وبعد تهدئة الأجواء واعتقال المتهمين، تم عرض طائرة "بوينغ 727"، بعد أسابيع، في متحف لمعدات طائرة "بوينغ"، إذ ذهل الخبراء والتقنيون الذين لم يصدقوا أن تكون الطائرة نجحت في مواصلة التحليق ثم الهبوط، سالمة تحت وابل من الرصاص والقصف المكثف.
بعد الامتنان بالربان العقيد القباج، أعجب الملك الراحل الحسن الثاني بهذه الطائرة، فأمر باقتناء طائرة أخرى "بوينغ 727"، مجهزة بطريقة أفضل وبأحدث المعدات الالكترونية والوقائية، مع إعادة تصميمها من الداخل لتكون جاهزة للاستعمال خصيصا لرحلاته، تضمن كافة أجواء الراحة الكاملة (مقاعد من الجلد الفاخر، مقابض أحزمة الأمان مصممة بشكل فريد، لوحات لكبار الرسامين تغطي بعض أركانها..).
في هذه الفترة (منتصف السبعينات) كان الملوك ورؤساء الدول وكبار أثرياء العالم، يفضلون طائرات "بوينغ" عن غيرها لاستخدامها كطائرات خاصة.
أبرمت الصفقة، لكن تبين أن الطائرة لم تكن جديدة وإنما سبق استعمالها، حيث أعيد طلاؤها وتغيير أثاثها وديكورها، وتقديمها في الأخير للملك على أنها جديدة ومبتكرة!
وحسب مصدرنا، اتصلت جهات أجنبية مقربة من مصانع "بوينغ" الأمريكية، إضافة إلى جهة أخرى تابعة للوكالة الوطنية للأبحاث (NASA)، بشخصية مقربة من الملك الراحل الحسن الثاني وبشخصيات تعمل في سفارة المغرب بواشنطن وأخرى بمقر الأمم المتحدة بنيويورك، لكشف حقيقة الطائرة الملكية الجديدة، التي أبرم صفقتها أحمد العسكي باعتباره وزير الأشغال العمومية وقتئذ.
كشفت كل هذه الجهات أن الطائرة المقتناة بدت كأنها جديدة وبالسعر المحدد من طرف الشركة، غير أنها طائرة مستعملة أعيد ترميمها. وأكد مصدرنا رغم أن صفقة الطائرة الملكية المغشوشة سارت على كل الألسنة وشغلت الرأي العام، ومع ذلك تم طمس ملفها بل وإقباره. مقابل ذلك سطع نجم الشخصين الذين ارتبط اسمهما بالصفقة، أحمد عصمان وأحمد العسكي: ترأس الأول حزب التجمع الوطني للأحرار، بعد خلقه على طريقة "الكوكوت مينوت" للفوز بغالبية المقاعد في انتخابات بداية الثمانيات، في حين انتخب أحمد العسكي، تحت لواء نفس الحزب، بالعاصمة الاقتصادية، الدار البيضاء، وقد سبق لهذا الأخير، أن ترأس ودادية مهندسي القناطر والطرق، بين 1962 و 1963، كما عين وزيرا للفلاحة فيما بين 11 غشت 1970 و 23 أبريل 1971، وكان في منتصف السبعينات أحد التقنوقراطيين البارزين، بعد تخرجه من إحدى أكبر المدارس التقنية الفرنسية، مدرسة القناطر والطرق، وفور تخرجه ورجوعه إلى أرض الوطن، تحمل مسؤولية تسيير ميناء الدار البيضاء، (بين 1963 و 1965)، وقد توفي وهو يبلغ 74 سنة، في 28 نونبر 2004.
ومن المعلوم أنه توجد شركات ووسائط أوروبية وأمريكية تنشط في بيع الطائرات المستعملة من مختلف الأنواع والموديلات، وأن أسعارها تختلف حسب الموديل والحجم والنوع وعدد المحركات، وسعر طائرة "بوينغ 727" موديل 1977 يناهز 12 مليون دولار (ما يقارب 120 مليون درهم).

نازلة كديرة صديق الملك


من النوازل التي تفوح منها رائحة الخدعة توهيم أحمد رضا كديرة قبل مرضه، الملك الراحل الحسن الثاني، بضمان استقراره في المغرب، دون نية مغادرته، في حين أن هذا الأخير كان بصدد تهريب كل ثرواته إلى الديار الفرنسية!
انكشف الأمر عندما علم الملك أن صديقه ومستشاره السابق، طريح الفراش، فعزم على زيارته. وفي طريقه إلى إقامة أحمد رضا كديرة، لاحظ الراحل الحسن الثاني أن سائقه الخاص يقوده خارج العاصمة الرباط، معتقدا أن صديقه يقطن بالقصر الذي شيده على أرض منحها إياه، تقع بالقرب من إقامات الأمراء والأميرات بالرباط وليس خارجها.
استفسر سائقه، فأكد له أن تلك الأرض لم تعد في ملكية أحمد رضا كديرة، لأن هذا الأخير باعها قديما للمعطي بوعبيد!
زاد امتعاض الملك الراحل الحسن الثاني عندما عاين إقامة صديقه ببيت متواضع بتمارة لا يتوفر سوى على أثاث قليل جدا، وجده مستلقيا على سرير إلى جانبه كرسيان في غرفة متواضعة خاوية على عروشها، وقيل له، بعد سيل من الأسئلة، إن استقرار أحمد رضا كديرة بذلك البيت المتواضع مؤقت، في انتظار رحيله إلى الديار الفرنسية للإقامة هناك، بعد أن باع كل أملاكه وصفى كل مصالحه بالمغرب، وهرَّب أمواله إلى الخارج. لم يستسغ الملك الراحل الحسن الثاني أن يقدم أقرب أصدقائه على تهريب كل ممتلكاته إلى فرنسا للاستقرار بها دون إخباره بالأمر، هو الذي كان يثق به ويشاركه جميع أسراره، علما أن الظرف تزامن مع فكرة الملك عن خطر السكتة القلبية للمغرب آنذاك.

الصحفي "الحر" لا يكشف عن مصدره؟!


  فصول هذه القصة تعود إلى مطلع السبعينات، وتحديدا عام 1972، حيث استقبل الراحل الحسن الثاني وقتها زعماء الكتلة الوطنية (عبد الله ابراهيم، المحجوب بن الصديق، عبد الرحيم بوعبيد وعلال الفاسي)، حيث دخل معهم في مفاوضات سرية انتهت بأدائهم القسم على المصحف الكريم، بعدم إفشاء ما راج بينهم أثناء المقابلة إياها.
في اليوم الموالي استدعى عبد القادر الصحراوي (وزير الإعلام ساعتها) الصحفي مصطفى العلوي فأخبره بأن الملك الحسن الثاني سيرسل له مبعوثا ملكيا خاصا، وكذلك كان، حيث فاجأه عبد الوهاب بن منصور مؤرخ المملكة رفقة أربعة (مخازنية)، ليعلمه بأن الملك الحسن الثاني كان سيستقبله شخصيا لولا إصابته بنزلة زكام حالت دون ذلك، وأنه جاء مبعوثا بالنيابة عنه. طلب منه بن منصور، باسم الملك أن يشرح له سر الخبر الذي نشره في صحيفته حول المقابلة التي أقسم فيها هؤلاء الزعماء على المصحف بألا يُسربوا الخبر خارج أسوار القصر، وأن يقدم له بيانات حول المصدر الذي أسر له بالخبر، أو بالأحرى الشخص الذي أفشى سر الملك. وكان الملك الراحل قد أرسل مع عبد الوهاب بن منصور ظرفا مفتوحا، سلمه إياه أحد "المخازنية" ليكتب فيه اسم هذا المصدر، ثم ناوله لـ "مخزني" آخر حفاظا على السرية التامة، للعملية التي دارت أطوارها في منزل وزير الإعلام. فعلا كتب مصطفى العلوي على ورقة أخرجها من الظرف (يا سيدي إنك قابلتني في مراكش بتاريخ كذا، وقلت لي إن الصحافي الحر لا يكشف عن مصدره) ثم سلمها بعد ذلك لـ"المخزني" بعد أن وضعها في الظرف.
بعد ذلك تدخل البوليس وطرد صحافيا من أصول جزائرية كان يشتغل لحساب وكالة "يونايتد بريس"، على اعتبار أنه الشخص الذي كان وراء توصل مصطفى العلوي بالخبر إياه.

اغتيال مشروع ملك "كاريان سانطرال"


مشروع بلوره الراحل محمد الخامس، وحرص الراحل الحسن الثاني على أن ينجزه على أرض الواقع، إلا أن شلة عبد العزيز العفورة، المسنودة من طرف إدريس البصري وصهره، نصبت على الملك وحولت المشروع عن مرماه الأصلي. تعثر هذا الأخير أكثر من مرة وتبددت أمواله في منتصف الطريق. إنه مشروع الحسن الثاني العقاري الرامي إلى إيواء سكان "كاريان سنطرال" بالدار البيضاء، الذي اغتالته الطغمة "البصروية"، في مهده. ولا زال ضحايا نصبها واحتيالها محرومين من السكن اللائق الذي وعدهم به الملك الراحل محمد الخامس، الملقب من طرف الاستعمار بـ "سلطان الكاريان"، وحرص بعده، ابنه الراحل الحسن الثاني على تحقيقه، وفاء لرغبة والده.
بدأت حكاية هذا المشروع في السنوات الأولى من الاستقلال، حيث أصدر الراحل محمد الخامس بنفسه تعليمات واضحة ترمي إلى بناء مساكن لائقة لكل قاطني "الكاريان" الكائن بالحي المحمدي ـ عين السبع. ومنذ اعتلائه عرش البلاد سنة 1961، تابع الملك الراحل الحسن الثاني هذا "الحلم الملكي"، حيث جدد تعليمات والده وكلف إدريس البصري، وزيره في الداخلية، في بداية الثمانيات بإنجازه.
ضم هذا المشروع تشييد 10 آلاف مسكن على مساحة 44 هكتارا، وبدأت الأشغال، لكن سرعان ما توقفت بفعل تبديد وتحويل واختلاس أجزاء هامة من الأموال العمومية المرصودة له.
ففي التسعينات أعطيت انطلاقة ثانية لمشروع تشييد 10 آلاف مسكن اقتصادي لفائدة سكان "الكاريان"، وتم الاتفاق مع شركة "كوجيبا"، من أجل انجازه، وبعد انطلاق الأشغال انكشف أمر النصب والاحتيال، حيث تم اعتماد خدعة، مفادها إنجاز 6 آلاف مسكن اقتصادي (عوض 10 آلاف) و 4 آلاف شقة غير مرصودة لقاطني "الكاريان" خلاف ما أقرت به رغبة الملكين؟! تم تحديد ثمن 6 آلاف مسكن اقتصادي في 100 ألف درهم، في حين تحدد ثمن 4 آلاف شقة المتبقية في 200 ألف درهم، بعد حرمان قاطني "الكاريان" منها. هكذا تم التخطيط للخدعة، ورغم ذلك لم يتم انجاز ـ حتى ـ ما تم تسطيره نصبا واحتيالا!
وفي نهاية المطاف، لم يتمكن النصابون سوى من تشييد 2121 مسكن من أصل 10 آلاف، ولم تتحقق رغبة الملكين، محمد الخامس والحسن الثاني، بفعل احتيال وفساد "طغمة البصري"، ولا زال عدد كبير من قاطني "الكاريان" يعانون لحد الآن، مات الأجداد والآباء وبقي الأولاد، والأحفاد محرومين من حق أقر به الملكان منذ منتصف الخمسينات!

يهود نصبوا على المغرب والمغاربة؟!


أشار أكثر من مصدر أن شكوكا كثيرة ظلت تحوم حول "دافيد عمار" بخصوص النصب على البلاط ومجموعة من الموظفين السامين، بشأن مبالغ مالية "طيطانيكية"، تكلف بتوظيفها أو تهريبها للخارج، وبذلك تسبب هروبه من المغرب، في نهاية 1971، في ضياع مبالغ مالية هائلة من أموال الملك الراحل الحسن الثاني ومجموعة من الوزراء والضباط السامين وكبار رجال الأعمال المغاربة الذين كانوا يثقون به، لتهريب أجزاء مهمة من ثرواتهم إلى الخارج أو توظيفها هناك.
لم يكن دافيد عمار شخصا غريبا عن البلاط ومجال الأعمال، فحول مائدته كانت تعقد الصفقات المريبة!
آنذاك، في فجر سبعينات القرن الماضي، كان دافيد أول محتكر للحبوب ببلادنا وأول مستورد لها. وسّع نشاطه السياسي بعد الاستقلال، حيث أسس جمعية الوفاق التي ضمت حينئذ جميع رجال الأعمال، اليهود المغاربة.
وبعد أن بدأت عملية تهريب اليهود المغاربة إلى الكيان الصهيوني، وحدوث كارثة الباخرة "بسيس" التي غرقت في عرض البحر، إذ لقي عشرات اليهود العجزة والأطفال حتفهم، توقف نشاط هذه الجمعية فحول دافيد اهتمامه، حيث لجأ إلى النخبة السياسية الموالية للبلاط فقوَّى صدقاته بالأعضاء المؤسسين لجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (الفديك) وبالمقربين من الملك، ضمنهم صهره أحمد عصمان. وبفضل هذه العلاقات تمكن دافيد من الفوز بمقعد بمجلس المستشارين، ففتح مكتبا للمعاملات التجارية بباريس كغطاء للقيام بتهريب الأموال وتوظيفها بالخارج لفائدة البلاط وكبار الأثرياء مقابل عملات ضخمة. ورغم ذلك اعتمد حيلا للسطو على كميات كبيرة منها، مما ساعده على توسيع نشاطه وبناء شبكة مهمة من العلاقات اخترقت دواليب الدولة حتى أضحى عدد كبير من الموظفين السامين والشخصيات الوازنة بالمغرب في خدمته!.
حينما ورد اسمه بلائحة المتهمين في محاكمة الوزراء سنة 1971 (التي أحدثت من أجلها محكمة العدل الخاصة)، لم يصادف أدنى صعوبة في مغادرة المغرب بكل اطمئنان. ففي غضون شهر نونبر من سنة 1971 أشاع المشيعون في العاصمة، الرباط، أن دافيد عمار تمكن من مغادرة البلاد، رغم صدور أمر اعتقاله، وذلك برغبة من جميع أصدقائه وشركائه، وحتى ضحاياه، كي لا يفضح أمرهم. آنذاك كانت النيابة العامة لدى محكمة العدل الخاصة قد وجهت إليه تهمة منح رشوة لأحد الوزراء السابقين المعتقلين، قدرها سبعون مليون فرنك دفعة واحة!
فور طلوع اسمه في لائحة المتابعين فر دافيد، تم ذلك يوم صدور الأمر باعتقاله، حيث أخبرته جهة وازنة بالأمر، فتوجه إلى مطار "طيط مليل" المدني وامتطى طائرة مدنية صغيرة في ملكية أحد أصدقائه، بعد أن طلب رخصة التوجه إلى مطار فاس. لكن عندما حلقت طائرته فوق العاصمة العلمية حولت مسارها إلى الناظور ثم المضيق لتحط بمطار "مالقا" الإسبانية بدعوى حدوث عطب طارئ.
كان كل من "باروك دهان" و"سوسان" و"مانتو" وهم يهود مغاربة، قد اختفى أثرهم بعد هروب (دافيد). في البداية توجهوا إلى كندا، ثم استقروا بالكيان الصهيوني (إسرائيل) بعد أن خلفوا وراءهم عددا لا يستهان به من الأغبياء، الذين أصبحوا أثرياء بفضل مواقعهم ونفوذهم، وضعوا فيهم ثقتهم وكلفوهم بأموالهم التي طارت بمغادرتهم البلاد.
ومن اليهود المغاربة الذين نصبوا على المغرب والمغاربة، الإخوان "أوحنا"، "بول" و"هنري"، خريجا المعاهد العليا بفرنسا.
اضطلع الأول بمسؤولية إبرام شراكة مع المجموعة الإيطالية "إي. ني" (ENI) لإحداث أول مجموعة مغربية لتكرير النفط "لاسامير"، إذ كان قائما على صفقات اقتناء البترول الخام من الخارج، وموازاة مع ذلك ائتمنه البلاط والقيمون على أمورنا أموال عمومية طائلة ففر بجزء كبير منها، لكن الدوائر العليا تسترت عليه إلى حين تمكينه من حط الرحال بالكيان الصهيوني، حيث أنشأ هناك مختبرا للأبحاث في مجال البترول والبيئة بتل أبيب.
أما الثاني، "هنري أوحنا"، فقد تمكن من ولوج سلك الإدارة العمومية، إذ قام بتسيير مجموعة من الدواوين الوزارية، منها الفلاحة والتجارة والمالية، إذ تألق في مشواره حتى تمكن من الاستحواذ على منصب ممثل المكتب الشريف للتصدير بالديار الأوروبية، وتزامنت مرحلته مع اختفاء مبالغ مالية هائلة من عوائد المكتب دون أن يظهر لها أثر، إضافة إلى أموال أخرى كان يقوم بتهريبها لفائدة شخصيات وازنة في البلاد، مستغلا منصبه. كما كان "هنري" هذا أول من روج، منذ 1968، لبيع المصانع الجاهزة (CLEF EN MAINS) بالمغرب الذي غادره مباشرة بعد انقلاب يوليوز 1971 متوجها إلى إسرائيل.
وقد عمل الإخوان أوحنا ("هنري" و"بول")، "روبير أسراف"، "مانتو" وشريكه "باروخ دهان" و"سويسا"، وهؤلاء جميعهم يهود مغاربة، على استثمار الأموال المهربة من المغرب (أموالهم والأموال المحصل عليها بالنصب والاحتيال) بالكيان الصهيوني.
وقد كشفت محاكمة الوزارة سنة 1971 أن "باروخ دهان" وشركاءه تلاعبوا بأموال صندوق الإيداع والتدبير بتواطؤ مع القيمين عليه، وأغلب هذه الأموال عرفت طريقها إلى إسرائيل.

ترشيح مشبوهين لنيل أوسمة ملكية


لقد تعرض الملك الراحل الحسن الثاني أكثر من مرّة لخدع بخصوص التقارير المرتبطة بالمرشحين لنيل أوسمة ملكية.
كما دأب بعض المقربين من الملك على ترشيح أشخاص للأوسمة رغم تورطهم البيّن في ترويج المخدرات والاغتناء السريع عن طريقها. ضمن هؤلاء رشيد التمسماني الذي تمكّن من رئاسة الفريق التطواني لكرة القدم والوصول إلى الجامعة الملكية سنة 1995، ومنها فُتحت له أبواب البلاط ليوشحه الملك الراحل الحسن الثاني بوسام ملكي.
لم يخبر إدريس البصري الملك بحقيقة التمسماني، رغم علمه بأنه أحد كبار "بارونات" المخدرات بالشمال، ورغم إدراج اسمه في لائحة الحملة التطهيرية التي أعدها للتخفيف من الحرج الذي أحدثه تقرير المرصد الجيو استراتيجي للمخدرات بالنسبة للمغرب وملكه أيضا.

"نصابة" حاولوا تسميم علاقة الحسن الثاني بأخيه


لم يكن الأمير الراحل مولاي عبد الله، أخ الملك الراحل الحسن الثاني، ضحية مؤامرات من ذيول الخيانة، مستهدفا من طرف تدبير مخابراتي فقط، وإنما كان كذلك ضحية لأكثر من حالة نصب واحتيال، الكثير منها استهدفت تأليب أخيه الملك عليه، وتسميم علاقتهما. ولم يكن الراحل الحسن الثاني على علم بالعديد من جوانب هذه المؤامرات، كما أن أخاه الأمير الراحل مولاي عبد الله اختار، عن طيب خاطر، التعالي عليها نظرا لطيبوبته وعدم اهتمامه بدواليب الحكم واللهث وراء السلطة، ولكونه سعى إلى العيش مهتما بأسرته ونفسه، غير مبال بما يخرج عن النمط الحياتي الذي اختاره.
وتظل أكبر عملية احتيال تعرض لها الأمير الراحل، خطة وضعها مجموعة من الخونة وبعض أقطاب سلطة الاحتلال الفرنسي، الرامية إلى وقف موجة الغضب الشعبي بعد تنحية الملك محمد الخامس عن العرش، مفادها الإعلان عن تعيين الأمير مولاي عبد الله ملكا بدل والده وإبعاد الملك محمد الخامس آنذاك وولي عهده الحسن الثاني عن المغرب، وقد علق الملك في خطاب العرش على ذلك يوم 18 نونبر 1952 بالقول : ".. الحماية الفرنسية بالمغرب مثل قميص أعد لطفل صغير، كَبُر الطفل ونما وترعرع وبقي القميص على حاله".
ومن القضايا التي كانت سببا في خلافات الأمير مع أخيه الملك، أن جماعة من المقربين كانوا يستغلون هذا القرب للتفاوض باسمه ولتنمية مصالحهم والنصب على آخرين.
وقد اكتشف الملك الراحل الحسن الثاني عدة حالات من هذا القبيل، لذلك ما فتئ يلوم أخاه، وبشدّة أحيانا ، بخصوص علاقته بأشخاص دأبوا على الإساءة له.
لقد كان معروفا عن الأمير الراحل مولاي عبد الله تعلقه بأصدقاء طفولته وشبابه، سيما الذين درسوا معه في المعهد المولوي، بينهم عبد الحق القادري وجنان، وقد كان هذا الأخير قائما على مجموعة من مصالحه ومشاريعه.
ظل الأمير الراحل متسامحا يغفر للمخطئين في حقه بكل سماحة وسهولة. الشيء الذي دفع بعض المقربين منه للنصب على الغير باسمه، قصد السطو على عقارات وأراضي زراعية أو الاستيلاء على شركات، غير أن أمرهم سيفضح فيما بعد.
ومن النوازل التي أقلقت الملك آنذاك، محاولة بعض ا لمقربين من الأمير السطو على أراضي لإقامة تجزئات أو ضيعات باسمه وتوهيم أصحابها والقائمين عليها بأن ذلك يدخل في إطار تحقيق رغبات الأمير؛ ومن الحالات التي انكشف أمرها، أرض بالفوارات وأراضي أولاد خليفة بالغرب التي أثارت ضجة اجتماعية كبيرة في فجر السبعينات، وقد سقط على إثرها فلاحون بفعل القمع الدموي الذي أشرف عليه شخصيا الجنرال محمد أوفقير، وقد ارتبطت هذه القضية بوسيط يدعى "لوموان".
وانكشف أيضا أمر سطو آخر باسم الأمير ودون علمه، تورط فيه الكولونيل بوبكر. وكان جل المقربين منه والمحيطين به يتاجرون باسمه، ورغم علمه بتصرفاتهم المشينة وانكشاف بعضهم لم يسبق للأمير الراحل أن كان سببا في إيذاء أحد منهم.
وبعد وفاته، سطا الكثير من هؤلاء على جملة من أمواله وأملاكه، ضمنهم شخصيات وازنة في الدولة. ورغم تدخل الملك الراحل بهذا الخصوص، تمكن جلهم من الاستحواذ على جزء من تركة المرحوم الذي كان يثق بهم كثيرا، وقد أضحى بعضهم، بين عشية وضحاها من أكبر الأثرياء.
ما دفع الملك الراحل الحسن الثاني، بعد وفاة أخيه، إلى البحث عن الذين كانوا يتصرفون في أموال وعقارات وشركات أخيه، عندما اكتشف، بالحجة والدليل أنهم نصبوا عليه فعلا.

القنبلة النووية المغربية مجرد نصب واحتيال


في نهاية سبعينات القرن الماضي كانت بلادنا ضحية عملية نصب واحتيال، يمكن عنونتها بوهم القنبلة النووية المغربية.
آنذاك حدث لقاء مع الباحث الفرنسي "آلان بيكر"، وبالضبط يوم 25 أكتوبر 1981، حيث أوهم ضباط سامين مغاربة أنه من ا لممكن التفكير في إنتاج قنبلة نووية باستعمال اليورانيوم المستخرج من فوسفاط بوكراع، وهو من النوع u 235 الصالح لهذا الغرض.
بعد اللقاء الأول مع الباحث الفرنسي، رئيس المعهد الدولي للإبداع والاختراع، الذي تم في سرية تامة، تلافيا لإخبار الجارة الجزائر والبلدان الأوروبية بالأمر، تم منح كل الصلاحيات لعناصر المديرية العامة للدراسات والتوثيق (لادجيد) تحت إمرة الجنرال أحمد الدليمي قصد تمكينهم من تجاوز كل العراقيل البيروقراطية والتغلب عليها.
كما أن كل الموارد البشرية والوسائل التقنية وكافة المستندات والكفاءات التي بحوزة وزارة الطاقة- كانت تحت إشراف موسى السعدي آنذاك – وُضعت رهن إشارة الباحث الفرنسي لإنجاح مشروع "القنبلة النووية المغربية" والذي أطلق عليه اسم "كازوجين".
وقد جرى اللقاء مع الباحث الفرنسي "ألان بيكر" بالعاصمة البلجيكية (بروكسيل) عبر وساطة أحد مستشاري السفارة المغربية هناك، يٌُدعى بنموسى، هذا الأخير رتب لقاء يوم 25 أكتوبر 1981 بينه وبين ضباط سامين مغاربة، طلب خلاله الباحث الفرنسي ما يناهز 300 مليون درهم وجملة من المعدات الواجب اقتناؤها من إسبانيا وبلجيكا وفرنسا وإيطاليا والنرويج والسويد، تحت غطاء استيراد تجهيزات خاصة بقطاع النسيج. تمت الموافقة على دفع نصف المبلغ المالي المتفق عليه لحظة التوقيع على العقد وإرجاء النصف الثاني إلى حين إجراء أول تجربة مقنعة.
غير أن هذا المشروع لم ير النور، إذ لم يتم حتى الشروع في إنجازه. وقد قيل إنه تم التنصت على مكالمة هاتفية بين الباحث الفرنسي "آلان بيكر" وأحد معاونيه عندما كان مقيما بأحد الفنادق الراقية بمدينة أكادير، حيث تلفظ بما معناه .." سنضحك على هؤلاء الأغبياء .. فهل يعتقدون أننا سنمكنهم من قنبلة نووية بهذه السهولة؟!"
علما أن الكثيرين لم يستسيغوا هذه الرواية، باعتبار أن الباحث الفرنسي زار المغرب أكثر من مرة بعد إقامته بالفندق بمدينة أكادير.

حين نصب هشام المندري على الملك


في المرحلة الأخيرة من حياته، تعرض الملك الراحل الحسن الثاني لأكثر من عملية نصب وسرقة همت أحيانا أشياء خاصة به، كما حدث بخصوص الخاتم الملكي الذي اختفى من مكانه إضافة إلى مجموعة من الوثائق المهمة التي تم السطو عليها من مكتب أحد مستشاريه، وساعات ثمينة ناهيك عن أشياء أخرى غالية الثمن، سرقت من غرف الملك الخاصة، كما تبخرت كميات هائلة من الأموال (دراهم، دولارات وأوروات...) ومستندات من خزائن غرف الملك الحديدية.
غير أن أكبر عملية نصب وسرقة تعرض لها الملك الراحل الحسن الثاني، حدثت في صيف سنة 1998، عندما عاد من زيارة رسمية إلى مصر، حيث لوحظ اختفاء دفتر شيكات خاص بالملك، وحقيبة مملوءة عن آخرها بالدولارات الأمريكية، من عقر غرفته الخاصة، التي لا يلجها إلا قليلون معلومون، على رأسهم فريدة الشرقاوي، امرأة ثقة الملك الأولى، إذ كانت القيّمة على مختلف تفاصيل ودقائق الغرف الخاصة للملك، الماسكة بمفاتيح خزائنه وأرقامها السرية ومستودعات أمواله (بالدرهم والدولار والأورو).
وقد تناسلت بهذا الخصوص أكثر من رواية منها احتمال تواطؤ فريدة الشرقاوي مع هشام المندري على تهريب أموال وشيكات ووثائق سرية خارج البلاد، منها كذلك احتمال رغبة فريدة الشرقاوي في تأمين أيامها القادمة بعد رحيل الملك الذي كان قد هدّه المرض وبدت عليه علامات اقتراب موعد التحاقه بالرفيق الأعلى، ومنها أيضا أن هشام المندري خدع الملك وامرأة ثقته الأولى، في ظرف غفلة واستغلاله لفلتان مراقبة شؤون القصر ودواليبه من يد الملك الذي أنهكه المرض وأغرقه في وجوم شديد.

الإخوان بوريكات


ظل الملك الراحل الحسن الثاني يعتبر أنه خدع من طرف الأجهزة الأمنية والقضاء بخصوص الإخوان بوريكات، إلى حد النصب عليه بتوهيمه أنهم متورطون في انقلاب كان يهيئه الجنرال أحمد الدليمي، وفي نوازل الاستيلاء على أموال طائلة بعد إنجاز صفقات مشبوهة بمال الملك واستغلال اسمه ونفوذه دون علمه.
وبهذا الخصوص سبق للمؤلف الفرنسي "ايريك لوران"، صاحب كتاب "الحسن الثاني، ذاكرة ملك"، أن سأل الراحل الحسن الثاني عما إذا كان يظن أن فضيحة "نازلة الإخوان بوريكات" ناجمة عن خطأ فادح ارتكبته الأجهزة الأمنية والقضاء، فكان جوابه بالإيجاب، لكنه أضاف - حسب "لوران" ـ "إن تركهم يخرجون من السجن كان خطأ فادحا كذلك..."
ومن المعلوم أن علي بوريكات تمكن من الحصول على اللجوء السياسي بالولايات المتحدة الأمريكية مقابل كشفه عن جملة من الأسرار خاصة بالبلاط وبفرنسا، سيما تلك المتعلقة بشبكات الاتجار في المخدرات بمباركة مسؤولين مغاربة وفرنسيين وازنين مقربين جدا من دوائر صناعة القرارات الكبرى والحاسمة، وهم الذين ساهموا بشكل كبير في حماية كبار مهربي كورسيكا ومارسيليا وباريس، مما قوّى نفوذهم ونشاطهم تحت غطاء بعض الشركات المستقرة بالمغرب، أهمها شركة "بيرنو وريكار" التي كانت تتوفر على مختبرات لصنع الكوكايين على تراب بلادنا حسب ما أدلت به زوجة مالك الشركة المذكورة بالديار الأمريكية، حيث تقضى بقية عمرها بعد تمتيعها باللجوء السياسي.
للإشارة أطلق سراح علي بوريكات رفقة شقيقه سنة 1991 من سجن تازمامارت، حيث تم اعتقالهم جميعا في صيف 1973 ولم تعرض قضيتهم على أنظار العدالة.

هل أوفقير خدع الأسرة الملكية أكثر من مرّة؟


إن المتتبع لمسار الجنرال محمد أوفقير، يتوصل بسهولة إلى صحة الفكرة القائلة بأن الجنرال فرضه الاستعمار الفرنسي فرضا على البلاط، قبل مغادرته بلادنا، ليحتل الموقع الذي ظل يحتله في دواليب صناعة القرار ودوائره، واستمر في احتلاله بفضل دعم الأمريكيين والموساد.
حاليا، بعد تسليط الأضواء الكاشفة على عدّة زوايا من تاريخ المغرب كانت مغيبة أو مسكوت عنها، يطرح السؤال هل محمد أوفقير خدع الملكين محمد الخامس والحسن الثاني ونصب عليهما على امتداد مشواره؟
لقد ظل محمد أوفقير يسعى إلى السلطة منذ أضحى محسوبا على الضباط. فمع بداية الإستقلال أخذ يبحث عن تثبيت قدميه في دواليب الحكم، وشرع بتأسيس مؤسسات عسكرية لتكوين رجال موالين له، عيّن على رأسها رجال ثقته. فقد عمل على أن يكون الكولونيل الفرنسي "كوردان" على رأس مدرسة الاتصالات بالقنيطرة ثم تلاه إدريس الزرهوني، والثانوية العسكرية بالقاعدة الجوية بالقنيطرة التي ترأسها الكولونيل الفرنسي "لا نجري" قبل أن يخلفه "لوباريز"..
كما حرص محمد أوفقير على تعيين من يكّن له الولاء، من الذين عملوا بجانبه في الهند الصينية والفيتنام، في مناصب عسكرية ومدنية عليا.
ومن المعلوم أن السلطات الفرنسية كانت قد اعتمدت على محمد أوفقير، بعد نفي الملك الراحل محمد الخامس وتنصيب محمد بن عرفة، لعزل كل القواد ورجال السلطة الوطنيين وتعويضهم بمن شاركوه في الحرب العالمية الثانية تحت لواء الراية الفرنسية، وأغلب هؤلاء نعتوا بالخونة، غير أنه لم تصادر أملاكهم كما حدث للبعض، ضمن هؤلاء القائد اعبابو بالغرب والقائد بنسليمان... كل المحيطين بمحمد أوفقير، إما تربطهم به علاقة قرابة أو سبق لهم أن عملوا إلى جانبه في الجيش الفرنسي أو تخرجوا من مدارس الأعيان الموالين للاستعمار أو من أبناء الخونة.
ونظرا لأن القنيطرة احتضنت أهم قاعدة جوية ذات أهمية استراتيجية "حلف أطلسية"، وأيضا لأن محمد أوفقير بدأ تقعيد نفوذه اعتمادا على المؤسسات التي أنشأنها بها، فإن هذه المدينة ظلت منطلقا لمجموعة من المؤامرات هندس لها الجنرال الدموي، بما في ذلك محاولة تسميم الملك الراحل الحسن الثاني بواسطة طباخ يدعى "صلاح" وانقلاب الصخيرات (أحد الأخوين اعبابو كان يقطن بالقنيطرة) والهجوم على الطائرة الملكية.. ولا يخفى على أحد أن الجنرال محمد أوفقير كان يقضي جل أوقات فراغه بالقنيطرة أو بضواحيها (الفوارات).
كما أن محمد أوفقير وقف بقوّة ضد رغبة الملك الراحل محمد الخامس لما تبين بروز تيار "فرنسا الحرّة" تحت الاحتلال النازي. آنذاك كان الراحل محمد الخامس قد نادى على قائد منطقة الغرب وطلب منه أن ينشر رسالة دعم ومساندة تيار "فرنسا الحرة" وسط الضباط، غير أن محمد أوفقير والفرنسيين الموالين لحكومة "فيشي" النازية دبّروا جميعا مكيدة لقائد المنطقة وتخلصوا منه بعد علمهم بأمر الرسالة، حيث وضعوا مكانه القائد بوشعيب الحريزي الموالي لهم ولأوفقير حتى لا تصل رسالة الملك إلى أصحابها، وهذا ما أدى إلى وقوع معارك ضارية بين الأمريكيين والفرنسيين الموالين لحكومة "فيشي"، عند الإنزال بشواطئ المهدية.
وكان محمد أوفقير أيضا ضمن المجموعة التي وقّعت على إبعاد الملك الراحل محمد الخامس عن العرش، إذ زكّى اختيار الإقامة العامة الفرنسية لمحمد بن عرفة كسلطان مفبرك. وفعلا اضطلع الضابط محمد أوفقير بمهمة الحراسة الخاصة لمحمد بن عرفة بعد تنصيبه، وكان القيم على أمنه الشخصي. ولم يقف محمد أوفقير عند هذا الحد، بل ظل يعمل في الخفاء، بجدية ونشاط، ضد عودة الملك الراحل محمد الخامس إلى عرشه حتى آخر لحظة.
ومن المعلوم أن محمد أوفقير هو الذي تكلّف بمرافقة محمد بن عرفة إلى مدينة "نيس" الفرنسية للاستقرار بها بعد عودة الملك الشرعي إلى عرشه.
فكيف خدع الملكين الراحلين، محمد الخامس والحسن الثاني في محمد أوفقير، رغم أن تاريخه كله ينضح خيانة؟

خدعة القضاء على "الثورة" الريفية في "رمشة عين"


على إثر خدعة إخماد ثورة الريف دون إراقة دماء، بعد كشف أمر المتاجرة والمؤامرة في اتفاقية "ايكس ليبان" المعلنة عن الاستقلال المبتور للبلاد، اندلعت أحداث دموية بالريف بلغت ذروتها خلال سنتي 1958 و 1959، تدخلت خلالها القوات المسلحة، حديثة التأسيس حينئذ بقيادة الراحل الحسن الثاني، ولي العهد آنذاك، الذي كان قد وعد أباه محمد الخامس أنه سيعمل على حل المشكل بالتي هي أحسن دون إراقة دماء، غير أن الأمر كان خلاف ذلك.
لقد اعتبرت جماعة من مقاومي وأعضاء جيش التحرير أن الاستقلال المعلن عنه، استقلال مبتور وبمواصفات خاصة لا تخدم آمال الشعب وانتظارات قواه الحية، لذلك قرروا عدم التخلي عن السلاح والاستمرار في حرب التحرير، فاتجه الجيش تحت قيادة محمد أوفقير لإبادة انتفاضة القبائل الريفية، احتجاجا على التلاعب بمفاوضات "ايكس ليبان" في حق المغرب والمغاربة.
لقد أصرت جماعة من جيش التحرير على الاستمرار في المقاومة، حيث رفضوا طرح السلاح إلى حين تحرير سبتة ومليلية والصحراء والجزائر وكافة بلدان شمال افريقيا لتحقيق الاستقلال الكامل غير المنقوص. لذلك حظي هؤلاء بدعم الريفيين الذين سبق وأن عاينوا كفاح محمد بن عبد الكريم الخطابي. ومما أجج انتفاضة الريفيين، تعيين عامل بمنطقتهم أساء معاملتهم، فرفضوا بقاءه بين ظهرانيهم.
لقد اعتبر أهل الريف اتفاقية "ايكس ليبان" اتفاقية الخزي والعار، وبين عشية وضحاها أصبح مقاومو الريف متمردين وفوضويين في نظر الرباط.
في البداية، أرسل الملك الراحل محمد الخامس، المحجوبي أحرضان، الضابط السابق في الجيش الفرنسي، إلى أهل الريف قصد الوساطة بين البلاط وأعضاء جيش التحرير الرافضين للاستقلال الأعرج، غير أنه لم يُوفّق في مهمته، نظرا لسمعته السيئة بين صفوف أغلب أعضاء جيش التحرير بالشمال.
كما أن التاريخ سجل أن المهدي بنبركة، وصف انتفاضة الريف بالانتفاضة "الإقطاعية"، وهي نغمة نشاز تنضاف إلى نغمة أخرى سبقتها، وهي مشاركته في مفاوضات "ايكس ليبان" وتزكيتها رغم علمه، هو القائد السياسي الواعي والمحنك، بعدم خدمتها لقضية المغاربة.
لقد اندلعت المواجهات بين أبناء الريف في مقبرة الشهداء بأجدير، حيث سقط خلالها الكثير من القتلى. انتشر الغضب المستطير وسط السكان وتمترسوا في جبل "كوين"، وبذلك كانت انطلاقة العصيان الذي سرعان ما شمل المناطق المجاورة. وبدأ الحديث عن تشكيل حركة التحرير والإصلاح الريفية، وصدر ميثاق في 7 أكتوبر 1958، ركز على المطالبة بتسيير الريف من طرف الريفيين، وتم الإعلان عن تأسيس "جبهة النهضة الريفية" دفاعا عن "الكرامة الريفية".
وفي بداية يناير 1959 بدأ قمع الانتفاضة في ظل حكومة عبد الله إبراهيم، حيث انتقل الراحل الحسن الثاني (ولي العهد آنذاك) رفقة محمد أوفقير إلى الريف، على رأس ما يناهز 20 ألف جندي، فتعرضت قرى الريف للقصف الجوي المكثف لمدة أسبوع ليل نهار.
وأكد أكثر من مصدر أن طائرة الحسن الثاني أصيبت بعيارات نارية بسماء الحسيمة. وللتذكير بهذه النازلة سبق للراحل الحسن الثاني أن قال في إحدى خطبه سنة 1974: "[..] أما سكان الريف فهم يعرفونني جيدا".
كانت مواجهة الريفيين عنيفة ووحشية باستعمال الدبابات والطائرات والمدافع الرشاشة التي أُطلق عنانها عشوائيا.. هدمت البيوت ودهمت المنازل وحرقت المزروعات وبُقرت بطون بعض الحوامل واغتصبت نساء وفتيات... وحسب مصادر متعددة خلف الهجوم ما يناهز 8000 قتيل دفنوا في مقابر جماعية ناهيك عن آلاف الجرحى.
تلك كانت خدعة "إخماد انتفاضة الريف بالتي هي أحسن دون إراقة دماء".
إن نظرة الملك الراحل الحسن الثاني للريف كانت خاصة ومطبوعة بحكم قيمة، له دوافعه تاريخيا، والذي شكل أرضية الانطلاق في التعامل مع هذه المنطقة على امتداد العهد االحسني. وقد تكرست اللبنات الأولى لهذا المنطلق منذ أحداث 1958 والفظاعات التي رافقتها.
تلك كانت نقطة البداية، حيث تكرس هذا المنحى الذي، دفع سكان المنطقة - بشهادة أغلب المحللين - إلى التوجه نحو الخارج مبكرا، والذي كان بالنسبة لأغلب الريفيين المنفذ الوحيد للتمكن من تحسين واقع حالهم والتوق إلى غد أفضل من يومهم.

ثلاث مخابرات خدعت الملك الحسن الثاني


ظلت جهات خارجية، غير بعيدة عن الملك الراحل الحسن الثاني، أحيانا، عبر علاقات مباشرة وفي غالب الأحيان عبر عملاء أو علاقات وطيدة مع أقرب المحيطين بالملك والمقربين من البلاط ودوائر صناعة القرار، تحاول خداعه.
إنها الموساد الإسرائيلية والمخابرات المركزية الأمريكية (سي- إي- يا) ومديرية التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس التابعة للمخابرات الفرنسية.
وظلت هذه الجهات قريبة من القصر الملكي لدواعي مرتبطة بأمن الأسرة الملكية والقصور، كما أنها لم تكن غائبة كليا عن ركح الصراع حول السلطة، إما بدعم المعارضة أو دعم النظام، للتخلص من هذه الأخيرة أو بالإشراف على تكوين عناصر الأجهزة الأمنية والمخابراتية المغربية وإعادة هيكلتها من فترة لأخرى، وبفضل عناصر هذه الجهات تمكنت المخابرات والأجهزة الأمنية المغربية من اختراق الأحزاب السياسية واستدراج بعض قاداتها للتعامل معها.
وفي فترات معينة عملت بعض عناصر هذه الجهات الأجنبية، إما بتنسيق فيما بينها أو كل واحدة على حدة، على التخطيط بهدف التخلص من الملك الراحل الحسن الثاني